الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- شارع الجعيص (3)



(3)
شارع الجعيص

كان من عادتي أن أمشي بعد منتصف الليل أجول في الشوارع، وأسرح مع أفكاري، وفي هذه الليلة أخذتني قدماي إلى الجعيص، وغوصت في حواريها، حتى ظننت أنني تهت، صعب علي الخروج، أريد العودة إلى المنزل، ولكنني تهت حقًا، حتى استوقفني شابان، من مظهرهما وأفعالهما هما حتمًا بلطجية وتحت آثار مخدر ما، استوقفاني، فبالنسبة لهما أنا غريب عن المنطقة، أرادا الاستيلاء على نقودي وهاتفي والساعة، رفع أحدهما علي مطوة، وأخرج الآخر سنجة، اعترف أنني ارتعشت رعبًا، لوهلة وقف بي الزمن، ودار شريط صورة في مخيلتي لما سيحدث، هل سيقتولنني، ويرمون بجثتي عند قارعة الطريق؟ أم سيأخذان النقود، ويتركونني في سلام؟ أأردعهم وأدافع عن نفسي، طالما أنني في كلا الحالات سأموت فلأمت وأنا أدافع عن كرامتي، ولكن لو مت! ماذا عن أمي!؟ هي أول من جاء على خاطري لحظتها، جاءتني تجلس بالأسود تبكي في ركن غرفتها، دموعها لا تجف، تذكرت كم اللحظات التي سأفتقدها عند موتي، تذكرت من قست قلوبهم علي، ورأيتهم يبكونني، لماذا يبكون!؟ لماذا تبكي قلوبهم حرقة، وهي التي كانت قاسية كالحجارة في وقت ما. تذكرتها، رأيت عيناها الواسعتان مبتسمة وتنظر إلي، أريد تقبيلها واحتضانها مودعًا قبل أن أموت. تداركت كل ذلك عندما سمعت أصوات الصفافير في كل مكان، رأيتهما يركضان، يهربان من شيء، وصوت الصفارة ينتقل بين أركان حواري الجعيص، البيوت جميعها أطفأت أنوارها، صرت في الظلام، ثم سمعت بعدها سارينة سيارة البوكس، تقترب من ورائي، وصوت أعيرة نارية من أمامي، وبعدها من خلفي، ركضت كالمجنون، ركضت لا أدري وجهتي، ركضت دون تفكير، كانت الاشتباكات في حميتها، ولجت من بوابة عمارة، ركضت على السلم حتى السطح، كان جسمي منتفضًا، خفت أن يراني أحدًا، نظرت من سور السطح اتلصص، كان المنظر بشعًا جثثًا وأشلاء في كل مكان، إنني في وكر تجار المخدرات، أتت التعزيزات سياراتا جيب من الداخلية، رأيت الضابط يحمل الأر بي جي، ويوجهه صوبي، شاهدت سبابته وهي تضغط على الزناد، موجهًا القذيفة ناحية المبنى، قفذت دون تفكير، في مكب النفايات، واستيقظت على صوت ديك في أحد الأسطح يؤذن في الصباح.

الأربعاء، 30 أغسطس 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- فتاة المترو (2)

(2)
فتاة المترو

الست كانت ملاذها للسكينة، في حزنها وفي وقت فرحها، تتمدد على السرير بجسمها النحيل وتسرح مع الست، عيناها الواسعتان كانتا -دائمًا- محملتين بعبء، كانت دومًا سارحة، تفكر باستمرار، كنت أهاب قرائتهما، كنت أخشى الغرق، لم أقوى على قراءة أفكارها، لم استطع استيعاب كم التعقيدات التي بداخلها، جميعنا بتعقيدات، لكنها منفردة، مختلفة، مختلفة عن الجميع في كل شيء، كانت أقوى من كل ما مرت به، تحارب ولا تستسلم، ذات مرة قالت لي لا مكان للخايب في هذه الحياة، خلقنا لنعيش، وأنا قررت أعيش. أتذكرها دومًا في أوقات قوتها، حاولت أن استرجع لحظات ضعفها، لحظات بكائها، لحظات محاولتها للنوم الذي هجرها، فتستكين في حضني، وأقصص عليها حكاية وادغدغ شعرها، لكن لحظات قوتها هي الحاضرة دومًا، أحببتها من صميم فؤادي، لكنني فشلت في انتشال قلبها.في طريق عودتي من المستشفى إلى المنزل، استقليت المترو، من أسعد لحظات حياتي أن أجد القطار مكيفًا وأنا اتصبب عرقًا، أبحث عن المكان المناسب أمام فتحات التهوية وأقف، أأخذ حمام هواء بارد سريع ينعشني، لمحت مكانًا خاليًا على الكرسي، مسحت سريعًا بعيني هل هناك من يستحق هذا المكان عني، فلم أجد، فجلست، سندت ضهري، وأغمضت عيني وأخذت تنهيدة، أريد أن اتخلص منها، هي في تفكيري طول الوقت، إنها كذلك اللحن الذي يلصق في أذنك ولا يذهب، سعيد به وأكرره واتناغم معه، ولكنني أريد أن انتهي منه وأمضي قدمًا، فتحت عيني، رأيت ملاكًا يجلس أمامي، ليس من عادتي التحرش ولا حتى التلصص، لكن ملامحها وابتسامتها الطفولية خطفتني، عيناها العسليتان وأنفها الخانس، وشفتاها الصغيرتان، ووجنتاها الحمراوتان، خطفني كل ذلك. سرحت مع ملامحها، أقتربنا من محطة العتبة، وقامت واقتربت من الباب، تنتظر الوصول، وتثاءبت وعيناها في عيني، تثاءبت أكثر بعفوية، دون أن تدرك أثر حضورها على كل من بالعربة. تثاءبت حتى رأتني والتقت عيوننا، ابتسمت أنا بتلقائية، ضحَكت، وضحِكَت، ظللنا نضحك، وظلت عيوننا تتعرف على بعضها، فُتح باب العربة، حيّت عيناها عيناي، واختفت داخل الزحام.

الاثنين، 28 أغسطس 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- أشرف دولسي (1)



(1)
أشرف دولسي


في حقيقة الأمر لم أعد أكترث، مشيت خطوتين بالعدد قاصدًا المقهى، لكنني تراجعت، وقررت العودة، والصعود إلى منزلي، مشيت خطوتين بالعدد إلى الوراء، لكنني تراجعت، وقررت المضي قدمًا. مشيت دون وجهة أقصدها، هاتفت صديقًا لم يجبني. تحادثت مع صديقة، واعتذرت عن رؤيتي ليلتها. ظللت أمشي دون وجهة. أبحث عن سر نقمي، لكن لا سبب واضح. أدركت أنني افتعل ذلك الشعور باليأس، أدركت أنني أهرب من جبني في المواجهة. أدركت أنني - فقط - لم أعد أكترث. حينها قررت أن أبصق في الأرض. ومشيت على حافة الرصيف، اتراقص وأتفادى السقوط، كمهرج في سيرك، يمشي على الحبل، ويتباهى بقدرته الخارقة على الاتزان، مع كل الصعوبات التي يتعرض لها. لا يخشى سقوطه، ولا اشتياق الجمهور للحظة فشله، لأنه أدرك - أخيرًا- أنه لم يعد يكترث. بعدها لمحت كشك أشرف دولسي، وشريط الذكريات مر سريعًا، قفذت كالطفل من الرصيف، انتشيت، وأسرعت إلى ثلاجة الأيس كريم، كنت استعيد ذكريات طفولتي، حينما كنا أطفالًا نلعب بدراجاتنا ونتسابق في الميدان، كنت ألمح أشرف، كان شابًا وقتها، ممتلئ الجسم بشكل مبالغ فيه، كنت أهابه دائمًا، مازلت احتفظ بهذا الشعور حتى الآن، حتى بعد أن شاخ مازال يحتفظ بنفس المهابة في نفسي، كان يراقبنا ونحن نلعب، كنت أرى في عينه نظرة حسد، دائمًا ما كان مبتسمًا، ولكن ابتسامته كانت تحمل بعضًا من الغموض أغلب الوقت. مسّيت على عم أشرف، وحاسبته على الأيس كريم، وتحركت، لم يتذكرني بالطبع، أنا لا اتذكر الأشخاص الذين يحيونني في الشارع، فقط لأنه صادف في ليلة وعالجت أحدهم في طوارئ المستشفى، أشرف كذلك لن يتذكر كل شخص عالجه بالأيس كريم، يكفيه أن يظل متذكرًا طفولته التي لم يحياها بسبب ضيقته من جسمه. أخذت أتلذذ بحلاوة الأيس كريم في فمي، برودة ذوبانه في حلقي، كان مختلفًا هذه المرة، الأيس كريم يكون مختلفًا كل مرة، مع ذوبانه على طرف اللسان يذوب كل شيء، لم أعد أفكر، سرحت في اللاشيء، حتى وصلت الهويس، مكاني المفضل في مراهقتي، كنت دائم الجلوس هنا مع الأصدقاء، لا نفعل شيئًا سوى مراقبة غروب الشمس، ومراقبة المارة أحيانًا. كانت هنا عربة فاست فوود، أينعم كانت ساندوتشاته سيئة جدًا، ولكنها الذكرى، اختفت عربة الفاست فوود، كما اختفت الذكرى، لكن لا بأس فالآن الكورنيش كله -من أول الهويس حتى المعدية- مكتظًا بعربات كتلك القديمة، هي أكثر حداثة، وأكثر إبهارًا، لكنها أبهت، تفتقد للروح، اعتقد أن هذا شعوري الذي يخصني وحدي، لشعوري تجاهها بالغرابة، فالجماد تنبض فيه الحياة حين ارتباط الأشخاص به. هذه العربات سترتبط بذكريات طفل ما، وذات يوم سيأتي مثلي هنا، باحثًا عن ذكرياته المفقودة. مشهد المراهقين وهم يتسلقون سور نادي الجولف جعلني أضحك من القلب، ذكرني بمشهدنا قديمًا، كنا نستخسر دفع ثمن تذكرة الدخول ، لأن هناك ما يستحق الدفع له عن هؤلاء الأوباش على بوابات النادي، لكنني كنت مراهقًا خايب، لم أكن أعرف كيف أتسلق السور، ولم أكن أعرف كيف أقفذ، كنت أضحوكة أصدقائي، ذلك ذكرني برحلة وادي الوشواش من سنتين، كدت أن أغرق ونحن نتسلق جبلًا عن طريق الحبل لنمر للجهة الأخرى، كنت خايب ومازلت خايب في هذه الأمور. لملمت تلك الذكريات المتبعثرة في طريق عودتي للمنزل، لممت ذكرى نادي الجولف وتحركت، وفي طريقي طويت ذكرى عربة الفاست فود سيئة الجودة، عبرت بجوار أشرف دولسي، كان هائمًا هو أيضًا في ذكرياته، حييته لكنه لم يعيرني أي انتباه، ابتسمت وأكملت طريقي على حافة الرصيف، أحاول أن أوازن حركتي حتى لا أقع، تذكرتها في تلك اللحظة، تذكرتها وهي جالسة بجواري وأنا في حالة نعاس، تدغدغ شعري وتسمع الست.

الأحد، 4 ديسمبر 2016

أسودان يخرجان أبيض واحدًا

أنا مراد حسن طبيب نفسي ، كانت شغلتي هي إيهام المريض بأنه ليس مريضًا ، ومرضه ليس بمرضٍ ، وعقله سليم ، وما يراه ما هو إلا أوهام قلق تراوده عن نفسه ؛ وعليه أن لا يهم بها ، ويتجنبها ، ويهرب منها موليًا إلى أبواب الصفاء ، فتقد قميصه من دبر ؛ فيظهر الحق ، وتتركه باحثة عن ضعيف غيره . أظل على هذه الحال طوال نهار يومي ، أتلذذ بإيهام مريض تلو الآخر ، وأغازل أوهامهم وهواجسهم ؛ لتهجر هؤلاء الضعاف الذين لا حمل لهم على مجاراتها ؛ لتلهث راكضة على أحضان عشقي ، فتجد الغدر من نصيبها ، فتموت منتحرة . نعم شغلتي أن أمنع منتحرًا من الانتحار ؛ بأن تنتحر أوهامه ، فهذا هو حال العدالة ، إذا وقع أذى ، يجب أن يدفع ثمنه أذى مقابل ، ولا يقع هذا التعويض إلا على كاهل الجاني ؛ والجاني هنا هي الأوهام . ولما كان العقاب من جنس العمل ؛ فكان حري بي أن أعاقبها بأن أجعلها تنتحر . حتى أنا فأأذي ذلك المريض الضعيف ؛ أعطيه جرعة من الوهم ؛ لأنتشله من عشق أوهامه - التي جاءني ليتخلص منها - ، فأخلصه منها بجرعة أوهام أخرى ، يجد معها السعادة المنشودة ، وتوقد رغبته في الحياة من جديد . لا تمر أيام حتى أجده يعود لي شاكيًا منها ، طالبًا التخلص منها ، فأعطيه جرعة مختلفة من الأوهام ، وهكذا تدور الدائرة دون انقطاع . ولكن لأن الخلاص بيدي وحدي ، ولأنه لن يجد العشق المنشود إلا عندي أنا وحدي ؛ فأذاي هو رحمة توجب المغفرة ، وسيئة توجب الإحسان والشكر .
حتى جاء ذلك اليوم ، أتاني ذلك المريض الذي تأبى أوهامه عن هجره ، مستعصية لا تنفك عن تنغيصه ، جعلته يرى الصواب خطأً والجمال قبحًا والخير شرًا والعكس. أتاني يستنجد بي فقد قتل رجلًا صالحًا ، قد اعترضه عندما رأه يذبح قطًا أسود اللون - شيطان على حد وصفه- ، فبدلًا من ذبحه -الشيطان- ذبح ذلك الرجل الذي وقف أمامه يحمي ذلك القط المسكين، ذبحه بدمٍ باردٍ واقتلع عينه من محجرها ، واحتفظ بها في بطرمان ، أتاني بها ، فاجأني ، إنه يحمل عين إنسان بجذورها العصبية مقتلعة - إقتلاعًا- كنبتة اقتلعت بجذورها من تربتها الخصبة . قال لي -حائرًا- : هاهي العين ، ماذا أفعل بها يا دكتور ؟! لم أرد ، ظللت مذهول - لبرهة- استجمع خلايا عقلي المتناثرة تناثر شظايا لغم انفجر لتوه. فقد باغتني بذلك البطرمان ، أمامي قاتل يحمل عين مقتوله يقف بين يدي ، تذكرت أول جلسة له معي ، فأنا من زرعت فيه هذه الأوهام ؛ لأجنبه أوهامه السابقة ، أنا من صنعته ، فكيف اعتبره قاتلًا ! كيف أحاسبه !؟ تذكرت علبة السجائر وعلبة السكاكر ، لعبتي القديمة مع مرضاي ، أعرض عليه الإثنين ، وأنبه عليه أن التدخين محرمًا هنا ، لكنه حر الاختيار ، وبالطبع - وبديهيًا- سيأخذ الإثنين ، سيأكل السكاكر ، وبعد بضع ساعات سينسى تحذيري - أو يتناسى - ويشعل سيجارته ، فأطرده. رفض الخروج هذه المرة ، أبى أن يخرج حتى أدله ما العمل بتلك العين ، حينها فقط أخذت أطول تنهيدة في عمر البشرية جمعاء ، وقلت له - وأنا أفخم صوتي- : قف ، أترى ذلك الخط المستقيم المرسوم على الأرض أمام الباب ، قف في أوله ، وأخرج العين من البطرمان ، وأمسكها بيدك أعلى رأسك ، وأغمض عينك ، واتبع روحك وامشي إلى الأمام دون توقف لا تنحرف عن صراطك ، وردد : لا أرى لا أسمع لا أتكلم ، لا أرى لا أفهم لا اتكلم ، لا أرى لا أفكر لا اتكلم ، لا أرى لا أؤمن لا أتكلم. حتى وصل للنهاية ، وأمام النافذة ، دفعته منها ، فسقط ميتًا. ذاع بعدها أن مجنونًا قد مات منتحرًا من عيادة طبيبه النفسي، ولم استطع صبرًا على أوهامه التي تركها لي ، لذلك جئتكم اليوم الجلسة.

السبت، 9 أبريل 2016

اشتهاء الألوان



اغمض عينيك
اغلقها جيدًا.
سترى انعدام الألوان للحظة،
بعدها سيضوي الأزرق ويختفي
ليظهر الأخضر ويختفي
ويليهما الأصفر فالأحمر وهكذا،
ستضيء جميع الألوان لتنطفىء.
برهة ..
لحظة سكون تسبح خلالها في أعماق الأسود،
يضيء الأبيض زاهيًا
فأظهر من خلاله
بعيناي الواسعتان برموشهما وشعري البني الداكن وشفتاي المثقلتان بعبق رحيقك.
تشتهيني أعلم،
لذلك آتيك في لحظات سكونك
امسح بأناملي شعرك الأكرت
اتحسس آخر خصلة خلف رأسك
ألمس رقبتك فأصل لأذنك
حمراء هي أذناك
فقد توهجت وجنتيك
تشتهيني أعلم
تشتهي شفتاي
تشتهي عسلي
هذا عشقٌ بيننا،
لا تفلته
ضمني واعتصرني
فيمتزج رحيقك بعسلي







الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

بائع البيض (2)

(2)

ذات يوم أخبرته حبيبته أنها حلمت أنهما كانا يرتجلان كمسافران تائهان في وسط صحراء لا حدود لها رمالها ناصعة الصفار نقية بها تموجات حنونة تجذبك لأن ترتمي بجسدك بين أحضانها وتسحب نفسًا عميقًا لنومٍ عميقٍ ، شمسها شديدة الإشعاع حارقة تدغدغ جلدك بقسوة تولد ألمًا بنشوة . ظلّا يرتجلان يبحثان عن الماء ، إنهما عطاشى حبٍ عطاشى أمانٍ ، وأينما وُجِد الحب يولَدُ الأمان . ظلا يعبران كثبان الرمال مؤمنان أنهما حتمًا سيجدان واحة حبهما بنخيلها العالي الشامخ غارسًا أوتاده في قلب الصحراء؛ متمسكًا بالحياة لن يتركها مهما قست عليه مهما منعت عنه ماء أو تربة حنونة على جذوره ؛ فهو يظل متمسكًا بالحياة ويغدو أشمخ وأعلى، إنها الواحة التي ستروي حبهما بمياه اللذة ليندمجان بجسديهما ويعتصران أنفاس بعضهما يطفئان لهيب قلوبهما تحت ظلال نخيل الحياة الباقي لأبد الآبدين لعله يمد الواحة بأملٍ في الحياة بأملٍ في البقاء بأملٍ في العطاء تمنح مياهها العذبة لكل سائلٍ ناسكٍ للحب والأمان. ينتبه لصوت صفير فرامل الحافلة فقد أصبح صفيرها لأذنه كجرس منبه ينبهه أنه حان وقت العودة للواقع، فلتضع أحلامك في صندوقك الأصفر، وأغلق عليهم بإحكام؛ كي لا يهربوا، فتتمكن من العودة إليهم. يهم في الوقوف استعدادًا للنزول حينما تتوقف الحافلة، تقف فينزل، يضع صندوق البيض الأصفر على حافة الرصيف ، يبدأ في البحث بعينيه سريعًا عن المكان المناسب من الكورنيش؛ ليفرش فرشته، ويعرض بيضاته الملونة على المارة؛ لعل ألوانها تجذبهم، فيشتروها منه، فيبيعها بالواحدة، فيكسب فيها أكثر من أن يبيعها جملةً لتجار البيض في السوق. ها هو المكان المناسب، أمام تلك الشجرة، ضخمة الجذع، عتيقة الأغصان، القابعة في تلك الزاوية من الكورنيش، خلفها ترى في الأفق الباخرات والسفن عابرة بهدوء القناة، تتدافع ببطء خلف بعضها، تطلق كل حينٍ وآخر زفيرًا معلنةً وجودها في تلك الحياة، تصطف فوقها في السماء سحبٌ نقية البياض، بياضها يشع بهجة وسعادة، والشمس تعافر في إثبات وجودها وأنها باقية للأزل، ولكن بلى جدوى، فهي تغيب، وإشعاعها يندثر. يحمل الصندوق الأصفر، ينطلق إلى وجهته، يضع الصندوق بجوار جذع الشجرة، يخرج الملاءة التي كان يغطي بها البيض في الصندوق، يفترشها، ويجلس، يهم في إخراج أرفف البيض، يعرضها أمامه، يأخذ تنهيده ، يهدأ قليلًا ، يسند ظهره على جذع الشجرة. يخرج من جيبه كيس التبغ الأخضر المصفر، كلما أخرجه، ينظر لأصبعيه السبابة والأوسط ليده اليمنى، ويتأمل البقعة الصفراء التي تتوسع ملتهمة العقلة الأولى من الأصبعين، يتأمل كثيرًا، يسرح، متذكرًا أول ليلة له دخن فيها من عشر سنوات؛ ليلة إعلان أن لا مفر له إلا الهروب. يتدارك تذكر ذلك، يخرج ورقة البفرة، يكبش بأطراف أصابعه بعض التبغ، أصبحت أصابعه كالميزان، يخرج الكمية المناسبة بالضبط، يلف السيجارة، يشعلها، يسحب شهيقًا عميقًا منها، يرفع رأسه لأعلى، ينظر لأغصان الشجرة و أشعة شمس المغيب الواهنة تتحرش بها، يغلق عيناه، يخرج دخان السيجارة كمن يزيح همًا مثقلًا،  يتذكر حبيبته، يبتسم، كلما تذكرها؛ تلقائيًا يبتهج جسمه -وكل أعضائه- ، رآها في حلمها الذي قصّته عليه، رآها تركض ماسكة يديه ، تشده خلفها، وكل حينٍ وآخر، تنظر له وتبتسم، ضحكاتها عالية، صداها يسطع في كل أنحاء الصحراء، تركض، وهو يركض خلفها، يشتهيها، وهي تشتهيه. ظلا يركضان كثيرًا، حتى كادا أن يفقدا الأمل في العثور على واحة الحياة، بل فعلًا فقدا الأمل، ضحكاتها توقفت، وقلبه أيضًا توقف، جلسا تَعِبَان وعَطْشَى، لكنها عنيدة أبية ، أبت أن تستسلم، وقفت، جذبته للوقوف، اغمضت عيناه، وأغمضت عيناها، شدته إليها، حضنته بشدة؛ كأنها لا تريد أن تضيعه، قبلته، وقبلته، واستمرت تقبله، وتعتصر شفتاه، اهتزت الأرض من تحتهما، قلبه عاد ينبض، ينبض بسرعة، إنه خائف، يحاول التملص منها، لكنها أصبحت أقوى وأشد، ضمته لها أكثر، اعتصرت شفتاه بشفاهها أكثر، اغمضت عيناها أكثر، إنها تخلق واحة حبهما، نبت النخل بسرعة، انفجرت العين أسرع، افترشت المياه الأرض، خفتت أشعة الشمس قليلًا، ظهرت الطيور والعصافير من العدم، تطير وتزقزق، وهو ينظر لكل ذلك بخلسة، متعجبًا، فتحت عيناها، توقفت عن تقبيله، تلمح بعيناها واحة حبها، ما خلقته بحبها، تبتهج، تعلو ضحكاتها، تعود للركض، تركض نحو المياه، تخلع كل ملابسها، وتقفز في المياه.

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

بائع البيض (1)

(1)

يغلق باب بيته، ينحني ليحمل صندوقًا أصفر اللون مرصوصًا فيه بيضًا ملونًا بألوان الطيف السبعة مكررة بشكلٍ مبهجٍ ، البيضات مرصوصات فوق بعضهن حيث احتمالية انكسار أو انشقاق إحداهن منعدمة . يلمح بعينيه ثنايا قميصه الأبيض المهترئ أعلى بنطاله الچينز الأزرق الباهت ، فيعتدل ولا يحمل الصندوق ، يحاول ضبط قميصه داخل بنطاله، يرفع مشط قدمه قليلًا محاولًا مسح حذائه البني المتسخ أسفل ظهر بنطاله ولكن بلى جدوى ، يعود ينحني ليحمل الصندوق، يهم بالانطلاق متجنبًا المارة ، يُسرع بحذرٍ؛ حتى يلحق بحافلة النقل العام التي ستوصله إلى وجهته، يصل ناصية الشارع، يقف منتظرًا لبرهة، ينحني واضعًا صندوق البيض بجانبه ليريح أكتافه. ترتسم ابتسامةٌ على وجهه متذكرًا ليلة أمس، عندما راهنته حبيبته على أن الحمامتين القابعتين أمام نافذة منزلهما - حتمًا - سيقبلان بعضهما، وكم كان أبلهًا عندما سخر من حبيبته ليلتها، وراهنته على أن يلون البيض بألوان الطيف إذا الحمامتان قبلتا بعضهما ، وكم كان أحمقًا عندما قبل الرهان، فعيناه محمرتان منتفختان يكسوهما السواد من السهر طيلة الليل في تلوين البيض. يوقظه من حلمه صوت صفير فرامل الحافلة مع توقفها أمامه، وانفتح الباب، وتدافع الخارجين من الحافلة ، وكاد أحدهم أن يركل الصندوق الأصفر بقدمه؛ لولا أنه تدارك الموقف بردة فعل سريعة والتقط الصندوق رافعًا أياه إلى أعلى. ينتظر نزول هؤلاء - المصاعير على النزول -، يتسلق سلم الحافلة بكل هدوء، يجلس في المقعد خلف سائق الحافلة مباشرة ، فهو دائمًا ما يعتقد أن ذلك المقعد هو أفسح مكان في الحافلة حيث يستطيع أن يضع الصندوق الأصفر أسفل قدميه بأريحية. تتحرك الحافلة، يبدأ بالتلفت حوله ماسحًا بعينيه ركاب الحافلة لعله يرى أحد المعارف أو الأصدقاء، وكالعادة لا يجد أحدًا، يخرج تنهيدة صغيرة من فمه فهو دائمًا عندما يشعر بالامتعاض يخرج تلك التنهيدة وكأنه يخرج ذلك الامتعاض مع الزفير. يلتفت إلى نافذة الحافلة ، يسرح مع السيارات والحركة المتسارعة للمارة والبنايات ، يتذكر حبيبته؛ وكيف لا يتذكرها، فهي بهجة قلبه، ترتسم صورتها أمامه بشعرها البني المقصوص كشعر الصبيان، يطلقون عليه "أ لا جارسون" يعني صبي بالفرنسية ، تبهجه معاكساتها الصبيانية وينتشي قلبه عندما تقترب منه تجر شكاله ومع مخاطبة أنفاسه المتسارعة أنفاسها الحارة تهدأ لتحتضن الشفاه الشفاه ويصافح اللسان اللسان، يعشق ملامسة أنامله خصلات شعرها القصير، ينسدل من الجانبين خصلة بنية رقيقة يعشقها ويعشق دغدغدها لوجنتيه. عيناها عسليتا اللون حائرتان واسعتان برموش كثيفة داكنة السواد، لا تراها عين إلا ويصيبها سحرهما وتهيم في جمالهما، أنفها ويا جمال أنفها لشموخه سحر يعلو به قلبه ويهبط ، شفتاها عندما يراها يجوع وإن كان شبعان يهم بالتهامهما بين أسنانه ولا يمنعه إلا سحر رقبتها فيعلو زفيره لتصطدم حرارة أنفاسه برقبتها فتعود إليه مسكًا يفوح بجمالها، نهدَيْها كثمرتا مانجو سكري تنتظران -في لهفة- أوان قطافهما. وما أحلى عصير المانجو! 

السبت، 8 مارس 2014

فرج المرأة هو أصل العالم



جوستاف كوربيه Gustave Courbet -رسام فرنسي واقعي من القرن التاسع عشر- لما فكر أنه يعبر عن "أصل العالم"L'Origine du monde، مالقاش حاجة أكثر واقعية للتعبير عن أصل العالم غير "فرج المرأة" ، واحنا في القرن الواحد والعشرين وشايفينه العار الأزلي اللي لبسينه للأبد ، ومابنصدق نخلص منه ونلبسه لغيرنا ، لدرجة أنه الشتيمة الرائجة ما بينا .

فرج المرأة مش مسبة ، فرج المرأة هو أصل حياتنا .

كل سنة وأنتن أصل كل حاجة حلوة فينا




الخميس، 5 ديسمبر 2013

ادموند بيرك ومواقع التواصل الاجتماعي

في إحدى ليالي البرد القارسة ، استلقى ادموند بيرك (Edmund Burke ) - المحافظ الأول في التاريخ الحديث- على أريكته ذات النمط الإنجليزي ، ورفع ساقيه أعلى المتكأ ، ليريح التابلت على فخذتيه، ارتشف رشفة من المج -الفخاري- المليء بالقهوة السوداء ماركة نيسكافيه ، وبدأ في التغريد على موقع التواصل الاجتماعي المشهور آنذاك ، ومن المعلوم أن في القرن التاسع عشر كنت تستطيع ان تغرد بأكثر من 140 حرف ، ولا حرج ، فكتب بيرك بكل ارتياحيه ما يلي :

" يستوحشون طريق الحق ، وكل غرضهم هو التهرب من الصعوبات والإفلات منها . في حين أن التصدي لتلك الصعوبات وقهرها ، أداة لانتصارات جديدة على صعوبات جديدة ، يمكننا من توسيع إمكانياتنا ، ويرغمنا على أن نعرف هدفنا معرفة وثيقة ، ويجبرنا على أن نتمعن فيه من جميع زواياه ، ويحول بيننا وبين أن نكون سطحيين ، إن الافتقار إلى إدراك ذلك ، والسعي لركوب المركب السهل واستخدام الحيلة لتحقيق نتائج سريعة هو الذي يخلق حكومات ذات سلطات تعسفية في بقاع متعددة للغاية من العالم "

وبالطبع لن تستغرب سيدي ، إذا اخبرتك ، أن السيد بيرك كان يعيش في واقع موازي ، عزلة تامة عن مجريات مجتمعه ، كان يحكم ذاته والشباب الذين اتخذوه أبًا روحيًا .

ع الهامش || محدش يقول للبرادعي انت بيرك عصرك وزمانك ، عشان هيزعل فشخ ، لأن بيرك بيعرف يكتب تويتايه أكتر من 140 حرف .

الأحد، 10 نوفمبر 2013

إحنا اللي غاويين أكل التفاح

احنا اللي عايزين ناكل تفاح، احنا اللي غاويين مرمطة ، ونزعتنا كبشر وفضولنا لمعرفة كل حاجة وعدم رضانا بحالنا واللي احنا عليه ، هو اللي مكدرنا ، دايمًا بندور على اللي يكدرنا ، ما بنرضاش بقليلنا ولا حتى بكتيرنا.
 
لما حرم الله على آدم وحوا أنهم ياكلوا من الشجرة ، الشيطان لعب في دماغ حوا وقالها : عارفه يا بت يا حوا ربنا مش عاوزكم تاكلوا من الشجرة ليه ؟! عشان ما تبقوش زيه عارفين الخير والشر مدركين للصح والغلط .
(فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».)

آدم وحواء كانوا عاوزين يتزلوا الأرض ، نزعتهم البشرية ! عاوزين يعرفوا عاوزين يجربوا عاوزين يتعلموا ، الاحتياج للمعرفة والتجريب ، نشوة المغامرة ولذة العيش بحرية وزتهم لأكل التفاح . ولما أكلوا من الشجرة كان عقابهم من ربنا على عصيانهم -وأكلهم من الشجرة- إنه طردهم من جنته ، طردهم من إنهم يبقوا عايشين مش شايليين الهم ، طردهم من إن ما يبقاش فيه حاجة بتكدرهم ، وينزلوا الأرض يعيشوا بقى الخير والشر والتكدير ويشيلوا الهم ، ويحسوا بيه .

(وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».)

عاقبة عصياننا كانت اكتساب المعرفة الأخلاقية ، معرفة الخير والشر كالله ، لأ وكمان إمكانية الحياة الأبدية ، يعني هنقعد متكدرين بنلف حولين نفسنا في دواير مغلقة إلى الما لا نهاية .

وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»

الغريب في الموضوع إن نفس الحاجة اللي أثارت فضول آدم وحوا عشان ياكلوا من الشجرة هي نفس الحاجة اللي اتعاقبوا بيها ، يعني هم عملوا اللي هم عاوزينه ، وللا غلطوا وربنا عاقبهم !؟

المرجع : سفر التكوين - إصحاح 3

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- أشرف دولسي (1)

(1) أشرف دولسي في حقيقة الأمر لم أعد أكترث، مشيت خطوتين بالعدد قاصدًا المقهى، لكنني تراجعت، وقررت العودة، والصعود إلى منزلي، مشيت خط...