الثلاثاء، 1 يناير 2019

سيدة الكرب - قصة قصيرة



Distress by: Rashi Chaturvedi


أمي وكأي امرأة عاملة عربية، كان يستعصي عليها أن تأخذ أطفالها معها إلى محل عملها، كانت مديرة الروضة تضيق الخناق على المدرسات؛ حتى يتسنى لهن التركيز في تأدية مهام وظيفتهن على أكمل وجه. مما دفع أمي للبحث عن خادمة، تكون يدًا معاونة لها في شغل المنزل، وفي نفس الوقت تكون عينًا على أطفالها في غيابها، نبيهة هي أمي، فكما نقول؛ ضربت عصفوريْن بحجر واحد. كانت أمي تعود يوميًا -ظهرًا- لتطبخ وتكنس وتغير الحفاظات، وترضِّع، فتنام الساعة التاسعة مساء، لتستيقظ السادسة فجرًا، تفطرنا وتفطر هي إذا لحقت، لتركض خلف باص الروضة، لكنه كان باستمرار يفوتها، وتضطر الذهاب مترجلة.

مريم، أو هكذا سموها في مكتب تشغيل العمالة، فليس من المعتاد أن تُنده الشغالة باسمها الحقيقي، ولكن تُسمى باسمًا مستعارًا، اسم يكون عربيًا، يَسهَل على العميل نطقه، ويستلطفه، كانت نحيفة، قمحية البشرة، ذات شعرًا أسودًا ناعمًا وكثيف، صغيرة الملامح، اعتقد -إذا لم تخني ذاكرتي البصرية- فعمرها لم يتجاوز الثامنة عشر آنذاك، عيناها الواسعتان كانتا دائمًا تلمعان بدموع مكبوتة، وجهها طفولي حزين، خائف، ترتبك دائمًا، كمن يجرب مسئولية ليس معتادًا عليها، وليست تناسبه، وقتها لم أكن قد بلغت سنتي السادسة في هذه الحياة، استغربت أمي، أين ستخصص لها مكانًا يأويها في ذلك البيت الصغير؛ والذي هو عبارة عن غرفتان وممرًا صغيرًا يصل بينهما، غرفة لها هي وأبي، والغرفة الأخرى كانت لي وأخوتي، وهي غرفة المعيشة أيضًا، أمي أتت لها بمرتبة إسفنجية، وأفرغت لها إحدى درفات الخزانة، وصنع أبي لها قفلًا، وضعت فيها أغراضها الخاصة، وأغلقت عليهم بذلك الترباس الهش، كانت –ليلًا- تفرش المرتبة الإسفنجية على أرضية غرفتنا، ثم –نهارًا- تحملها وتواريها خلف الخزانة. لم نفهمها ولم تفهمنا، لم تكن تجيد لا عربية ولا إنجليزية، وكان التعامل معها بالإشارة مع بعض الكلمات الأساسية بالعربية التي تلتقطها من أمي، اعتقد أن أمي كانت على عجالة من أمرها عند جلبها مريم، ومن الأرجح أن سبب اختيارها لها؛ هو أن راتبها كان الأوفر.

كل صباح كانت مريم تجلس منزوية، تحتضن جهاز كاسيت بين أناملها الطفولية، تجلس تسمع شرائطًا لأقاربها، من تفاوت الأصوات ميزت أنهم أبوها وأمها وأخت، تجلس تنصت لحديثهم، وتبكي ببكاء أجش، كنت أقف خلف الباب أراقبها، متوجسًا من تلك الغريبة التي دخلت بيتنا، وتأكل من أكلنا، وتجلس معنا دون وجود أبي أو أمي، خفت منها، توقعت منها فعلًا إجراميًا، تقتل أحد أخوتي أو تؤذيني، أو -على أقل تقدير- تسرق شيئًا من البيت، في أعماق ذاكرتي هناك شيء يخاطبني بأن أبي هو من زرع في ذلك الهاجس عنها، لكي أكون مخبره الصغير الذي ينقل له ما يدور في غيابه.

أبي قد زرع في نبتة ظلت تلاحقني حتى كبري، كنت مخبره الصغير حتى عن أطفاله، وفي بعض الأحيان زوجته كذلك، حتى وجدت نفسي محاصرًا ومقيدًا بين رغبتي في أن أكون المخلص الوفي وبين لهفتي الطفولية في ارتكاب الأخطاء مثلهم، فكان جزائي العقاب والوقوف رافعًا يداي تحت عداد الكهرباء في ذلك الممر الضيق الصغير، وأصبحت من المنبوذين، اعتقد بعدها أنه جنّد عميلًا آخر بكل سهولة، فما أكثر أطفاله!

في صباح أحد الأيام، ومريم تجلس كعادتها في أحد أركان الغرفة، تسمع أحد شرائطها، لمحتني أراقبها، فارتعبت وأغلقت الكاسيت، وحملته، تخبأه في خزانتها، اقتربت منها، تحاشت النظر لي، فضولي دفعني إلى محاولة معرفة اسمها، حاولت الإشارة لها متسائلًا، أجابتني: "مريم" عاودت الإشارة مع استخدام كلمات بالعربية، رغبة مني في معرفة الحقيقي، وليس ذلك الذي لقبوك به، لكنها لم تفهم أبدًا، وظلت تردد: "مريم.. مريم.. مريم" وعيناها المنكسرتان تنظران للسماء من النافذة. أتت أمي في الظهيرة، ووجهها عابس، ومع عبورها عتبة المنزل، وهي تصرخ وتصيح في مريم، ممسكة فاتورة الهاتف، تحاول الشرح لها بالإشارة وبالعربية، أنها ممنوعًا عليها استخدام الهاتف، ممنوعًا عليها المكالمات الدولية، ولا حتى المحلية، انكمشت الفتاة الصغيرة في مكانها، تراجعت للخلف خوفًا، جعلت من الحائط ظهرًا لها، كبتت دموعها، في محاولة لإظهار التماسك، لكن أمي اغتاظت أكثر، ورفعت كفها، وصفعتها على خدها، ذُهلت، هذه أول مرة أرى فيها أمي تضرب أحدًا، ليس من عادتها أن تفعل شيئًا من (شيم) أبي، بالطبع اعتادت على الأمر بعدها، وأصبحت تضربنا وتصفعنا بيدها الصغيرة، لكن هذه! تلك كانت الأعنف، أخرجت أمي في تلك الصفعة كل مخزونها من الغضب، وكأنه مخزون دهرها. انسحبت مريم في هدوء تنوح، دخلت الحمام، ومكثت فيه وقتًا طويلًا، تبكي، حتى ظننت أنها لن تخرج أبدًا.

مشاعري تجاه مريم تغيرت بعد ذلك الموقف، لم أخف منها من بعدها، لم أستطع أن أراها مجرمًا، تلك الفكرة الساذجة التي زُرعت بداخلي عنها، قاومتها، بالعكس شعرت أنها فردٌ منّا، هي أيضًا تُضْرَب مثلنا، تبكي مثلنا، تركض لتختبئ في المكان الوحيد -في ذلك البيت الضئيل- الذي تشعر فيه بخصوصيتك، تنظر في مرآته، ترثى حالك وأنت تبكي، حتى تجف الدموع.

مرت الأيام على نفس الحال، تنزوي مريم صباحًا، تعيد الاستماع إلى الشرائط القديمة، تسمع الجديد الذي يصلها، أخوتي يلهون، وأنا أراقب، لكنني كففت مراقبة المخبر، أصبحت أتمنى لو أفهمها وتفهمني، ويدور بيننا حوار أعرفها منه أكثر، لكنه لم يحدث.

في إحدى الليالي والكل نيام، استيقظت على صوت نحيبها، وهي تحتضن جهاز الكاسيت، استغربتها، هذه أول مرة أراها تستمع لشرائط الكاسيت ليلًا، اعتدتها تأخذ من أبي بريدها، تضعه في خزانتها، دون فتحه، وتفتحه نهارًا، في غيابهما. كنت نعسًا للغاية لأتكشف الأمر، لكن صوت نحيبها المكتوم، ظل في أذني حتى الصباح.

في الصباح، مكثت مريم تروح وتجيء بجوار الهاتف، في تردد بيّن وخوف، لكن وكأن نداءً داخلها أخبرها أن تفعلها، التقطت الهاتف، ونقرت على أزرار أرقامه، وظلت تحادث من تحادثه، ووجهها فزعًا، تتمالك بكاءها، قابضةً على سماعة الهاتف، وكأنها تريد أن تمتزج مع الذبذبات، وتنفذ عبر الأسلاك، فتَعبُر من خلالها لتصل إلى من تحادثه، شعرت بأن هناك مكروهًا قد حدث عند أهلها في بلدها، وقفت هرعًا، لمحتني بطرف عينيها، لكنها لم تعرني انتباهها، وأكملت الإنصات، والرد المقتضب، حتى انهارت في البكاء، وسقطت منها سماعة الهاتف، كمشهد تراجيدي من الأفلام الكلاسيكية، وظلت تنزل إلى الأرض وظهرها يحتضن الحائط، تبكي وتصيح، دون هوادة، ظلت على تلك الحالة، حتى انتشرت العدوى، فأختي الصغرى بكت لبكائها، ومن بعدها أخي، وأنا وقفت في المنتصف، أدور حولي، لم أستوعب ما العمل، ماذا أفعل، الكل يبكي من حولي، سماعة الهاتف ملقاة على الأرض، بجوارها تمكث مريم، تصيح كبركان يخرج حممه التي ظلت مدفونة لدهور، وكأنها أخذتها حجة لتخرج كل ما دفنته بداخلها.

استيقظت في اليوم التالي، هرعًا ابحث عن مريم، لم أجدها، اختفت تمامًا، وجدت خزانتها مفتوحة، فارغة، أمي كانت تحضر أخوتي، وصاحت في، لأسرع وأغتسل، لترمينا عند الخالة ريتا جارتنا. وأنا أنهض من السرير في عجالة، خوفًا من البطش، لمحت كارتًا مكتوبًا بلغة لا أفهمها، نسته مريم في خزانتها، أو تركته لي قصدًا! خطفته سريعًا، وخبأته تحت وسادتي، لأعود له في المساء، وأقص على صديقي التخيلي النقطة -الذي يقطن سقف الغرفة- كم افتقد مريم.

الجمعة، 30 مارس 2018

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- عم عتيق ودراجته الهوائية (7)

(7)
عم عتيق ودراجته الهوائية


صوت عبد الباسط عبد الصمد مبتهلًا يأتي في الذاكرة مقترنًا بآذان صلاة العشاء من مسجد الشاذلية في الشارع المجاور لبيت جدي، كنت أقف وراء الشباك أنصت له ممتزجًا مع نسمات عليل هواء الإسماعيلية، مع صوت همهمات وضحكات الأطفال يلعبون السبع طوبات أسفل شجرة المستكة القابعة أمام باب جدي. مسجد الشاذلية كان يغلب عليه اللون الأخضر،  الابتهالات والتسابيح في الشاذلية لم يكن لها مواسم أو أوقات معينة، كانت طوال أغلب اليوم، "الصلاة والسلام عليك، يا إمام المجاهدين، ويا خاتم الأنبياء والمرسلين، يا نبي الرحمة، يا سيدي يا رسول الله". كانت توجد غرفة على يمين المنبر، كنت اتلكع ما بين صلاة المغرب والعشاء لاتصنت منبهرًا، يجلس المسبحون حول الإمام يرددون خلفه: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك". بعد صلاة العشاء يأخذني جدي خلفه على دراجته الهوائية، لنذهب إلى أبو حمدي البقال لصرف التموين، كان جدي يعطيني دفتر التموين لأحمله، كنت أنبش به لأطالع صور إعمامي وعماتي وأيضًا أبي صغارًا بالأبيض والأسود، أبي كان يشبه أخي الصغير حينها، نمر بجانب الأطفال يلعبون تحت شجرة المستكة، أنظر لهم أغيظهم وكأني ذاهب في رحلة. في طريقنا كلما مررنا على أحدهم كان جدي يحييه، سواء يعرفه أو لا يعرفه، كنت استغرب فعلته، فيردد لي دائمًا: "حب الناس ليك يدوم بأبسط الحاجات"، في طريق رحلتنا بالدراجة إلى أبو حمدي البقال كنا نمر بجوار بائعة الطعمية، كان ينظر إلي يراني منتشي من رائحة طعميتها اللذيذة، ويغمز لي ويخبرني بأننا سنشتري الطعمية في طريق عودتنا. نحمل تموين الشهر، ويحيي جدي أبو حمدي البقال، نعود أدراجنا إلى البيت، فنمر بجوار ألبان السلسبيل، أقفز من خلف جدي لأشتري الزبادي البلدي وتُمن جبنة اسطنبولي، ونذهب لبائعة الطعمية واشتري الطعمية، ونعود للمنزل.كان جدي يضع السكر على الزبادي، كان يحبها بالسكر، وأنا أحببت حبه لها، وجدتي تقطع البطيخ المثلج، وتقلي البيض بالسمن البلدي والطماطم، ونجلس لنتابع ليالي الحلمية على القناة الأولى. جنازة جدي كانت مهيبة، يومها ومع الكم المهول من الناس التي أتت حزينة على فراقه. تذكرته بابتسامته الحنونة وهو ينظر لي وأنا خلفه على دراجته يقول لي: "حب الناس ليك يدوم بأبسط الحاجات" مات عم عتيق، وضاعت دراجته، لكن الذكرى تظل وحب الناس يدوم.

الأحد، 24 ديسمبر 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- صدفة كحلم (6)

(6)
صدفة كحلم

يتكرر نفس الحلم كثيرًا تلك الأيام، كنت لا أحلم لفترة كبيرة، مع أني اعتدت أن أنام ساعات كثيرة، إلا أنني لم أكن أحلم، أو بمعنى أصح لم أكن اتذكر الحلم بعد أن استيقظ، ذلك الحلم يراودني كثيرًا، يتكرر باستمرار، مع أن نومي أصبح شبه نادرًا بالمقارنة بما مضى، إلا أنني أتذكر جيدًا الحلم بعد أن استيقظ، من الأرجح أن سبب استحضاري للحلم دومًا هو أنني أراها في الحلم، أخلق الصدفة التي أراها فيها، أراني جالسًا في المقهى مع بعض الأصدقاء اتسامر معهم، أحتسي قهوتي السادة اسكتو، ألمحها تعبر من أمامي، تعطي الرجل كيس البن خاصتها، ليصنع لها فنجانها الخاص، قهوتها اسكتو كذلك، اصطنعت أنني لم أراها، لكنني  تتبعتها بنظري، أراقبها، حتى جلست منفردة في إحدى زوايا مدخل المقهى، المقهى مزدحم، لكنني أراها بوضوح بين الزحام، كانت ملامحها واضحة بالنسبة لي، مع إنها تظهر بعيدة بين الزحام والضوضاء، لم استطع أن أفلتها بنظري، سرحت مع حضورها، ونسيت ما كنت أخبره لصديقي، إنه اعتاد شرودي ذلك، لا يهم، هو الآن يتهامز مع من بجانبه، بالتأكيد فهما يتكلمان عني، أعلم، لكن لا يهم، كنت أرغب في أن أترك جلسة النميمة تلك، وأتحرك ناحيتها، أجلس معها، لأنني افتقدها كثيرًا، خيل لي أنني فعلت ذلك، خيل لي طيفي ينهض، يتوغل الزحام، يجلس أمامها، ينظر إلى عينها البراقة، تبتسم له، فيبتسم لها، لكنه لم يحدث، لم أتحرك، عدت إلى جلسة النميمة، كان صديقي يحدثنا عن آخر علاقاته العاطفية والتي فشلت كعادته، أخبرنا عن أنه كاد لها، والتقط صورة له مع إحدى صديقاته، تشبه صورة له معها عندما كانا يقفان على الرصيف المقابل لمحل الأيس كريم، في شتاء ما، وهو واضعًا كف يده أمام عينيها، يحجبهما عن الكاميرا، أرانا الصورة المكيدة، وفيها الفتاة صديقته تلك، وبدل أن تحمل الأيس كريم، كصورته مع حبيبته، كانت تلوح بإصبعها الأوسط للكاميرا، قال حينها أنها اغتاظت كثيرًا عندما رأت تلك الصورة، وقد ارتاح قلبه عندما غاظها، أو هكذا رأى. لم استوعب فكرة المكايدة بين الأحبة، ولم المكايدة، ونحن نستطيع بكل بساطة وأريحية أن نتذكر اللحظات الجميلة، ونتحرك في سلام في دائرة حياتنا. لمحتها قادمة أمامي تعبر الزحام، باحثة عن الرجل، اصطنعت انشغالي في الحديث مع صحبتي، حسست يد أنثوية على كتفي اليمين، نظرت لها، كانت تبتسم كعادتها، ابتسمت بتلقاء نفسي، وقفت أحييها، تكلمنا سريعًا، حيتني، وانتلقت مغادرة، اختفت تدريجيًا بين الزحام، تمنيت لو كنت تحركت  خلفها، جذبتها واحتضنتها، وقولت لها إنني افتقدها ، وافتقد وجودها، لكنني لم أفعل، استيقظ من نومي ، ذهبت لعملي هائمًا، أنهيت عملي وأخذتني قدماي إلى المقهى لأجلس، متمنيًا أن أراها صدفة، كما الحلم.

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- الفرخة العملاقة (٥)


(٥)
الفرخة العملاقة



في صغري اعتدت أن ارتكن على سريري ناحية الحائط، أحوط ساقي بيدي، وأنظر إلى السقف أحادث صديقي التخيلي، كان عبارة عن نقطة في السقف، تخيلته طفلًا - مثلي- يعيش بين نقاطٍ أخرى، هي عبارة عن أبيه وأمه وأخوته، في بيت مصنوعًا من النقط كذلك، له جيرة لطيفة -أيضًا - من النقط، لم أعرف قط سر اهتمامي بالنقطة، إلا عندما قرأت قول الحلاج، في أن النقطة هي أصل كل خط، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين، كنت لا أبصر إلا نقاط مجتمعة، أو متفرقة، فالأشياء من حولي ما هي إلا مجرد نقاط تشكلها، ففي النقطة الأصل، أصل الوجود، ودائرة وجودنا من لحظة ميلادنا إلى لحظة السكون - دائرة الحقيقة- ماهي إلا نقاط تتلاحم حتى الفناء. في ذلك اليوم حدثني صديقي التخيلي عن شجار والديه الذي استمر من الليلة السابقة، ظل يحدثني عن شجارهما ثلاث ليالٍ متواصلة، كان يجلس مثلي يركن على سريره متقوقعًا، يسمع صراخهما نافذًا كل الأبواب المغلقة، عابرًا كل طبقات الظلام حتى يخترق أذنيه، يخيفه شجارهما، يجعله يرتعد، يهيئ له أن تلك الليلة هي نهاية العالم، لم يخبرني لما يتشاجران، ولم اسأله، فكنت أعلم. تلك الليلة كانت عيد ميلادي الرابع، هنأني صديقي التخيلي، تحسست طريقي في الظلام، لأريه هدايا عيد الميلاد، كان عيد ميلادًا رائعًا في أحد المطاعم التي كنت أعشق دجاجه في طفولتي، لكنه كان أغرب عيد ميلاد مر علي، أتذكره جيدًا بكل تفاصيله، ظل يشغل تفكيري ليلتها، حتى التقيت صديقي وأخبرته بما جرى، فو نحن نحتفل ونغني، ظهر أمامي مخلوق غريب، عبارة عن فرخة ضخمة، عملاقة جدًا، تحمل البالون بيدها، تقترب مني، بحركة بطيئة، تهز رأسها يمينًا ويسارًا بشكل عجيب، ابتسامتها مخيفة، ظلت تقترب مني، وتقترب، ارتعبت ، مدت يدها لي، أخذت منها البالون، وكلي ذهول، ما هذه الفرخة العملاقة!؟ كيف هي بتلك الضخامة!؟ لماذا أنا وحدي من ارتعب من ضخامتها!؟ لماذا الجميع مبتهجون وسعيدون بوجودها!؟ الكل يضحك وينظر لي، لماذا هم غرباء هكذا !؟ استدارت تلك الفرخة العملاقة، وتحركت ناحية مطبخ المطعم، ركضت خلفها، هل أحلم؟ أم تلك فرخة حقيقية وعملاقة!؟ فتح لها الجرسون بابًا، ذلك الباب يُنفذ إلى ظلام، لا أرى منه شيئًا، دخلت الفرخة، ظلت تتوارى في الظلام تدريجيًا، أريد أن ألحق بالجرسون قبل أن يغلق الباب ، وأركض وألج من ذلك الباب، رغبت في أن أعرف ذلك العالم الذي فراخه بتلك الضخامة، لكن للأسف، فأبي جذبني من يدي، وعاد بي إلى الطاولة.

الأربعاء، 6 ديسمبر 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- بوب مارلي استايل (4)

(4)
بوب مارلي استايل


وقفت أشعل سيجارة في بهو المستشفى الخاص الذي كنت أعمل به مع صديقي الممرض، أحب ذلك الصديق، اغترب عن قريته، ليعمل ويتنقل بين المستشفيات ليعول منزلًا مكونًا من أب وأم وزوجة وطفلتين، كان مهمومًا باستمرار، واعتدت أن أركن معه على حائط غرفة الطوارئ، ننفث دخان السجائر مع نسمات الهواء البارد، النميمة معه كانت لها لذتها الخاصة، أخبرني ليلتها عن الرجل الذي أتى في مرة بعد منتصف الليل، تجره زوجته، لا يقوى على الحراك، حينها فحصاه هو والطبيب، ووجدا علاماته الحيوية طبيعية، ولم يجدا به أية علة، وأخبرا زوجته نكاية فيه، وتركاهما بمفردهما في الغرفة، ليسمعانها تعاتبه وتقول "هو أنت عشان معرفتش تعمل عيان!؟" ظللنا نضحك من القلب، في لحظتها هجم علينا مجموعة من الشباب، دخلوا مسرعين، حاملين أحدهم ينزف، ركضنا خلفهم، ارتمى على السرير، كان ينزف من ضهره، كشف الممرض ضهره، لنجده مطعونًا عدة مرات، عدلته لأفحص علاماته الحيوية، لأجده دون نبض، فحصت بؤرة عينه، لم تستجب للضوء، حاولنا أن ننعشه، ولحظتها أدركت في نفسي أننا في خطر، الشاب متوفي، وأصدقاؤه هؤلاء من ملامحهم لن يتركونا أحياء، اقترب مني الممرض، وهمس في أذني، أن أحد أصدقائه هؤلاء هو من طعنه، هنا أدركت أنها النهاية لا مفر، لم استطع إخبارهم أنه متوفي، كل الذي كان يشغل بالي حينها أن يؤخذوا مصيبتهم تلك بعيدًا عني، أخبرتهم أنه مازال حيًا ولكنه في حالة خطرة، وأن إمكانيات المستشفى لا تسمح، ويجب أن ينقلوه إلى المستشفى العام في أسرع وقت، بالطبع لم يتقبلوا ذلك بسلاسة، فالمستشفى العام يعني نقطة شرطة يعني سين وجيم، أصريت في أن هناك الأمل الوحيد لإنقاذه، وأن ما يفعلونه مضيعة للوقت، وبذلك سنفقده، وبعد مناوشات كثيرة من ناحيتي وأخرى من صديقي الممرض، حملوه، وخرجوا. هنا أخرجت من فمي زفيرًا مطولًا، بعد موقفًا طويلًا ومنهكًا كذلك، يكون أقصى أمانيك أن تجد ركنًا هادئًا تزيح فيه إرهاقك، وتسكن فيه إلى روحك، تشعل سيجارة وتنفث دخانها مخرجًا معها كل المراجعات التي تدور في ذهنك عما فعلته وما اقترفته، إن كان صحيحًا أم خطئًا، لكن في النهاية تستكين لأنك نجوت بمن معك من طعنة أحد المخمورين هؤلاء. هاتفتني في تلك الليلة، ظللنا نتحادث ونضحك، أحب ضحكتها، وخاصة عندما تعلق ضاحكة على كلامي وتقول متعجبة: " يا سلام!" كنت اتعمد أن أنكشها، كي تعيدها على مسامعي، لم استطع نسيانها مطلقًا، في تلك الليلة أرسلتلي صورتها لتريني (بوب مارلي استايل) فقد صففت شعرها على هيئة شعر بوب مارلي، ولكنه وبعد عودتها من خروجتها، كان قد اختفى ذلك البوب مارلي استايل، وظلت تحاول إقناعي بأنه بوب مارلي استايل، وأنا أصر أنه لم يعد هناك بوب مارلي استايل، لتضحك وتقول متعجبة: "يا سلام!" اتذكر ذلك اليوم كأنه أمس، افتقدها من كل قلبي، افتقد تلك اليا سلام!

الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- شارع الجعيص (3)



(3)
شارع الجعيص

كان من عادتي أن أمشي بعد منتصف الليل أجول في الشوارع، وأسرح مع أفكاري، وفي هذه الليلة أخذتني قدماي إلى الجعيص، وغوصت في حواريها، حتى ظننت أنني تهت، صعب علي الخروج، أريد العودة إلى المنزل، ولكنني تهت حقًا، حتى استوقفني شابان، من مظهرهما وأفعالهما هما حتمًا بلطجية وتحت آثار مخدر ما، استوقفاني، فبالنسبة لهما أنا غريب عن المنطقة، أرادا الاستيلاء على نقودي وهاتفي والساعة، رفع أحدهما علي مطوة، وأخرج الآخر سنجة، اعترف أنني ارتعشت رعبًا، لوهلة وقف بي الزمن، ودار شريط صورة في مخيلتي لما سيحدث، هل سيقتولنني، ويرمون بجثتي عند قارعة الطريق؟ أم سيأخذان النقود، ويتركونني في سلام؟ أأردعهم وأدافع عن نفسي، طالما أنني في كلا الحالات سأموت فلأمت وأنا أدافع عن كرامتي، ولكن لو مت! ماذا عن أمي!؟ هي أول من جاء على خاطري لحظتها، جاءتني تجلس بالأسود تبكي في ركن غرفتها، دموعها لا تجف، تذكرت كم اللحظات التي سأفتقدها عند موتي، تذكرت من قست قلوبهم علي، ورأيتهم يبكونني، لماذا يبكون!؟ لماذا تبكي قلوبهم حرقة، وهي التي كانت قاسية كالحجارة في وقت ما. تذكرتها، رأيت عيناها الواسعتان مبتسمة وتنظر إلي، أريد تقبيلها واحتضانها مودعًا قبل أن أموت. تداركت كل ذلك عندما سمعت أصوات الصفافير في كل مكان، رأيتهما يركضان، يهربان من شيء، وصوت الصفارة ينتقل بين أركان حواري الجعيص، البيوت جميعها أطفأت أنوارها، صرت في الظلام، ثم سمعت بعدها سارينة سيارة البوكس، تقترب من ورائي، وصوت أعيرة نارية من أمامي، وبعدها من خلفي، ركضت كالمجنون، ركضت لا أدري وجهتي، ركضت دون تفكير، كانت الاشتباكات في حميتها، ولجت من بوابة عمارة، ركضت على السلم حتى السطح، كان جسمي منتفضًا، خفت أن يراني أحدًا، نظرت من سور السطح اتلصص، كان المنظر بشعًا جثثًا وأشلاء في كل مكان، إنني في وكر تجار المخدرات، أتت التعزيزات سياراتا جيب من الداخلية، رأيت الضابط يحمل الأر بي جي، ويوجهه صوبي، شاهدت سبابته وهي تضغط على الزناد، موجهًا القذيفة ناحية المبنى، قفذت دون تفكير، في مكب النفايات، واستيقظت على صوت ديك في أحد الأسطح يؤذن في الصباح.

الأربعاء، 30 أغسطس 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- فتاة المترو (2)

(2)
فتاة المترو

الست كانت ملاذها للسكينة، في حزنها وفي وقت فرحها، تتمدد على السرير بجسمها النحيل وتسرح مع الست، عيناها الواسعتان كانتا -دائمًا- محملتين بعبء، كانت دومًا سارحة، تفكر باستمرار، كنت أهاب قرائتهما، كنت أخشى الغرق، لم أقوى على قراءة أفكارها، لم استطع استيعاب كم التعقيدات التي بداخلها، جميعنا بتعقيدات، لكنها منفردة، مختلفة، مختلفة عن الجميع في كل شيء، كانت أقوى من كل ما مرت به، تحارب ولا تستسلم، ذات مرة قالت لي لا مكان للخايب في هذه الحياة، خلقنا لنعيش، وأنا قررت أعيش. أتذكرها دومًا في أوقات قوتها، حاولت أن استرجع لحظات ضعفها، لحظات بكائها، لحظات محاولتها للنوم الذي هجرها، فتستكين في حضني، وأقصص عليها حكاية وادغدغ شعرها، لكن لحظات قوتها هي الحاضرة دومًا، أحببتها من صميم فؤادي، لكنني فشلت في انتشال قلبها.في طريق عودتي من المستشفى إلى المنزل، استقليت المترو، من أسعد لحظات حياتي أن أجد القطار مكيفًا وأنا اتصبب عرقًا، أبحث عن المكان المناسب أمام فتحات التهوية وأقف، أأخذ حمام هواء بارد سريع ينعشني، لمحت مكانًا خاليًا على الكرسي، مسحت سريعًا بعيني هل هناك من يستحق هذا المكان عني، فلم أجد، فجلست، سندت ضهري، وأغمضت عيني وأخذت تنهيدة، أريد أن اتخلص منها، هي في تفكيري طول الوقت، إنها كذلك اللحن الذي يلصق في أذنك ولا يذهب، سعيد به وأكرره واتناغم معه، ولكنني أريد أن انتهي منه وأمضي قدمًا، فتحت عيني، رأيت ملاكًا يجلس أمامي، ليس من عادتي التحرش ولا حتى التلصص، لكن ملامحها وابتسامتها الطفولية خطفتني، عيناها العسليتان وأنفها الخانس، وشفتاها الصغيرتان، ووجنتاها الحمراوتان، خطفني كل ذلك. سرحت مع ملامحها، أقتربنا من محطة العتبة، وقامت واقتربت من الباب، تنتظر الوصول، وتثاءبت وعيناها في عيني، تثاءبت أكثر بعفوية، دون أن تدرك أثر حضورها على كل من بالعربة. تثاءبت حتى رأتني والتقت عيوننا، ابتسمت أنا بتلقائية، ضحَكت، وضحِكَت، ظللنا نضحك، وظلت عيوننا تتعرف على بعضها، فُتح باب العربة، حيّت عيناها عيناي، واختفت داخل الزحام.

الاثنين، 28 أغسطس 2017

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- أشرف دولسي (1)



(1)
أشرف دولسي


في حقيقة الأمر لم أعد أكترث، مشيت خطوتين بالعدد قاصدًا المقهى، لكنني تراجعت، وقررت العودة، والصعود إلى منزلي، مشيت خطوتين بالعدد إلى الوراء، لكنني تراجعت، وقررت المضي قدمًا. مشيت دون وجهة أقصدها، هاتفت صديقًا لم يجبني. تحادثت مع صديقة، واعتذرت عن رؤيتي ليلتها. ظللت أمشي دون وجهة. أبحث عن سر نقمي، لكن لا سبب واضح. أدركت أنني افتعل ذلك الشعور باليأس، أدركت أنني أهرب من جبني في المواجهة. أدركت أنني - فقط - لم أعد أكترث. حينها قررت أن أبصق في الأرض. ومشيت على حافة الرصيف، اتراقص وأتفادى السقوط، كمهرج في سيرك، يمشي على الحبل، ويتباهى بقدرته الخارقة على الاتزان، مع كل الصعوبات التي يتعرض لها. لا يخشى سقوطه، ولا اشتياق الجمهور للحظة فشله، لأنه أدرك - أخيرًا- أنه لم يعد يكترث. بعدها لمحت كشك أشرف دولسي، وشريط الذكريات مر سريعًا، قفذت كالطفل من الرصيف، انتشيت، وأسرعت إلى ثلاجة الأيس كريم، كنت استعيد ذكريات طفولتي، حينما كنا أطفالًا نلعب بدراجاتنا ونتسابق في الميدان، كنت ألمح أشرف، كان شابًا وقتها، ممتلئ الجسم بشكل مبالغ فيه، كنت أهابه دائمًا، مازلت احتفظ بهذا الشعور حتى الآن، حتى بعد أن شاخ مازال يحتفظ بنفس المهابة في نفسي، كان يراقبنا ونحن نلعب، كنت أرى في عينه نظرة حسد، دائمًا ما كان مبتسمًا، ولكن ابتسامته كانت تحمل بعضًا من الغموض أغلب الوقت. مسّيت على عم أشرف، وحاسبته على الأيس كريم، وتحركت، لم يتذكرني بالطبع، أنا لا اتذكر الأشخاص الذين يحيونني في الشارع، فقط لأنه صادف في ليلة وعالجت أحدهم في طوارئ المستشفى، أشرف كذلك لن يتذكر كل شخص عالجه بالأيس كريم، يكفيه أن يظل متذكرًا طفولته التي لم يحياها بسبب ضيقته من جسمه. أخذت أتلذذ بحلاوة الأيس كريم في فمي، برودة ذوبانه في حلقي، كان مختلفًا هذه المرة، الأيس كريم يكون مختلفًا كل مرة، مع ذوبانه على طرف اللسان يذوب كل شيء، لم أعد أفكر، سرحت في اللاشيء، حتى وصلت الهويس، مكاني المفضل في مراهقتي، كنت دائم الجلوس هنا مع الأصدقاء، لا نفعل شيئًا سوى مراقبة غروب الشمس، ومراقبة المارة أحيانًا. كانت هنا عربة فاست فوود، أينعم كانت ساندوتشاته سيئة جدًا، ولكنها الذكرى، اختفت عربة الفاست فوود، كما اختفت الذكرى، لكن لا بأس فالآن الكورنيش كله -من أول الهويس حتى المعدية- مكتظًا بعربات كتلك القديمة، هي أكثر حداثة، وأكثر إبهارًا، لكنها أبهت، تفتقد للروح، اعتقد أن هذا شعوري الذي يخصني وحدي، لشعوري تجاهها بالغرابة، فالجماد تنبض فيه الحياة حين ارتباط الأشخاص به. هذه العربات سترتبط بذكريات طفل ما، وذات يوم سيأتي مثلي هنا، باحثًا عن ذكرياته المفقودة. مشهد المراهقين وهم يتسلقون سور نادي الجولف جعلني أضحك من القلب، ذكرني بمشهدنا قديمًا، كنا نستخسر دفع ثمن تذكرة الدخول ، لأن هناك ما يستحق الدفع له عن هؤلاء الأوباش على بوابات النادي، لكنني كنت مراهقًا خايب، لم أكن أعرف كيف أتسلق السور، ولم أكن أعرف كيف أقفذ، كنت أضحوكة أصدقائي، ذلك ذكرني برحلة وادي الوشواش من سنتين، كدت أن أغرق ونحن نتسلق جبلًا عن طريق الحبل لنمر للجهة الأخرى، كنت خايب ومازلت خايب في هذه الأمور. لملمت تلك الذكريات المتبعثرة في طريق عودتي للمنزل، لممت ذكرى نادي الجولف وتحركت، وفي طريقي طويت ذكرى عربة الفاست فود سيئة الجودة، عبرت بجوار أشرف دولسي، كان هائمًا هو أيضًا في ذكرياته، حييته لكنه لم يعيرني أي انتباه، ابتسمت وأكملت طريقي على حافة الرصيف، أحاول أن أوازن حركتي حتى لا أقع، تذكرتها في تلك اللحظة، تذكرتها وهي جالسة بجواري وأنا في حالة نعاس، تدغدغ شعري وتسمع الست.

الأحد، 4 ديسمبر 2016

أسودان يخرجان أبيض واحدًا

أنا مراد حسن طبيب نفسي ، كانت شغلتي هي إيهام المريض بأنه ليس مريضًا ، ومرضه ليس بمرضٍ ، وعقله سليم ، وما يراه ما هو إلا أوهام قلق تراوده عن نفسه ؛ وعليه أن لا يهم بها ، ويتجنبها ، ويهرب منها موليًا إلى أبواب الصفاء ، فتقد قميصه من دبر ؛ فيظهر الحق ، وتتركه باحثة عن ضعيف غيره . أظل على هذه الحال طوال نهار يومي ، أتلذذ بإيهام مريض تلو الآخر ، وأغازل أوهامهم وهواجسهم ؛ لتهجر هؤلاء الضعاف الذين لا حمل لهم على مجاراتها ؛ لتلهث راكضة على أحضان عشقي ، فتجد الغدر من نصيبها ، فتموت منتحرة . نعم شغلتي أن أمنع منتحرًا من الانتحار ؛ بأن تنتحر أوهامه ، فهذا هو حال العدالة ، إذا وقع أذى ، يجب أن يدفع ثمنه أذى مقابل ، ولا يقع هذا التعويض إلا على كاهل الجاني ؛ والجاني هنا هي الأوهام . ولما كان العقاب من جنس العمل ؛ فكان حري بي أن أعاقبها بأن أجعلها تنتحر . حتى أنا فأأذي ذلك المريض الضعيف ؛ أعطيه جرعة من الوهم ؛ لأنتشله من عشق أوهامه - التي جاءني ليتخلص منها - ، فأخلصه منها بجرعة أوهام أخرى ، يجد معها السعادة المنشودة ، وتوقد رغبته في الحياة من جديد . لا تمر أيام حتى أجده يعود لي شاكيًا منها ، طالبًا التخلص منها ، فأعطيه جرعة مختلفة من الأوهام ، وهكذا تدور الدائرة دون انقطاع . ولكن لأن الخلاص بيدي وحدي ، ولأنه لن يجد العشق المنشود إلا عندي أنا وحدي ؛ فأذاي هو رحمة توجب المغفرة ، وسيئة توجب الإحسان والشكر .
حتى جاء ذلك اليوم ، أتاني ذلك المريض الذي تأبى أوهامه عن هجره ، مستعصية لا تنفك عن تنغيصه ، جعلته يرى الصواب خطأً والجمال قبحًا والخير شرًا والعكس. أتاني يستنجد بي فقد قتل رجلًا صالحًا ، قد اعترضه عندما رأه يذبح قطًا أسود اللون - شيطان على حد وصفه- ، فبدلًا من ذبحه -الشيطان- ذبح ذلك الرجل الذي وقف أمامه يحمي ذلك القط المسكين، ذبحه بدمٍ باردٍ واقتلع عينه من محجرها ، واحتفظ بها في بطرمان ، أتاني بها ، فاجأني ، إنه يحمل عين إنسان بجذورها العصبية مقتلعة - إقتلاعًا- كنبتة اقتلعت بجذورها من تربتها الخصبة . قال لي -حائرًا- : هاهي العين ، ماذا أفعل بها يا دكتور ؟! لم أرد ، ظللت مذهول - لبرهة- استجمع خلايا عقلي المتناثرة تناثر شظايا لغم انفجر لتوه. فقد باغتني بذلك البطرمان ، أمامي قاتل يحمل عين مقتوله يقف بين يدي ، تذكرت أول جلسة له معي ، فأنا من زرعت فيه هذه الأوهام ؛ لأجنبه أوهامه السابقة ، أنا من صنعته ، فكيف اعتبره قاتلًا ! كيف أحاسبه !؟ تذكرت علبة السجائر وعلبة السكاكر ، لعبتي القديمة مع مرضاي ، أعرض عليه الإثنين ، وأنبه عليه أن التدخين محرمًا هنا ، لكنه حر الاختيار ، وبالطبع - وبديهيًا- سيأخذ الإثنين ، سيأكل السكاكر ، وبعد بضع ساعات سينسى تحذيري - أو يتناسى - ويشعل سيجارته ، فأطرده. رفض الخروج هذه المرة ، أبى أن يخرج حتى أدله ما العمل بتلك العين ، حينها فقط أخذت أطول تنهيدة في عمر البشرية جمعاء ، وقلت له - وأنا أفخم صوتي- : قف ، أترى ذلك الخط المستقيم المرسوم على الأرض أمام الباب ، قف في أوله ، وأخرج العين من البطرمان ، وأمسكها بيدك أعلى رأسك ، وأغمض عينك ، واتبع روحك وامشي إلى الأمام دون توقف لا تنحرف عن صراطك ، وردد : لا أرى لا أسمع لا أتكلم ، لا أرى لا أفهم لا اتكلم ، لا أرى لا أفكر لا اتكلم ، لا أرى لا أؤمن لا أتكلم. حتى وصل للنهاية ، وأمام النافذة ، دفعته منها ، فسقط ميتًا. ذاع بعدها أن مجنونًا قد مات منتحرًا من عيادة طبيبه النفسي، ولم استطع صبرًا على أوهامه التي تركها لي ، لذلك جئتكم اليوم الجلسة.

السبت، 9 أبريل 2016

اشتهاء الألوان



اغمض عينيك
اغلقها جيدًا.
سترى انعدام الألوان للحظة،
بعدها سيضوي الأزرق ويختفي
ليظهر الأخضر ويختفي
ويليهما الأصفر فالأحمر وهكذا،
ستضيء جميع الألوان لتنطفىء.
برهة ..
لحظة سكون تسبح خلالها في أعماق الأسود،
يضيء الأبيض زاهيًا
فأظهر من خلاله
بعيناي الواسعتان برموشهما وشعري البني الداكن وشفتاي المثقلتان بعبق رحيقك.
تشتهيني أعلم،
لذلك آتيك في لحظات سكونك
امسح بأناملي شعرك الأكرت
اتحسس آخر خصلة خلف رأسك
ألمس رقبتك فأصل لأذنك
حمراء هي أذناك
فقد توهجت وجنتيك
تشتهيني أعلم
تشتهي شفتاي
تشتهي عسلي
هذا عشقٌ بيننا،
لا تفلته
ضمني واعتصرني
فيمتزج رحيقك بعسلي







الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

بائع البيض (2)

(2)

ذات يوم أخبرته حبيبته أنها حلمت أنهما كانا يرتجلان كمسافران تائهان في وسط صحراء لا حدود لها رمالها ناصعة الصفار نقية بها تموجات حنونة تجذبك لأن ترتمي بجسدك بين أحضانها وتسحب نفسًا عميقًا لنومٍ عميقٍ ، شمسها شديدة الإشعاع حارقة تدغدغ جلدك بقسوة تولد ألمًا بنشوة . ظلّا يرتجلان يبحثان عن الماء ، إنهما عطاشى حبٍ عطاشى أمانٍ ، وأينما وُجِد الحب يولَدُ الأمان . ظلا يعبران كثبان الرمال مؤمنان أنهما حتمًا سيجدان واحة حبهما بنخيلها العالي الشامخ غارسًا أوتاده في قلب الصحراء؛ متمسكًا بالحياة لن يتركها مهما قست عليه مهما منعت عنه ماء أو تربة حنونة على جذوره ؛ فهو يظل متمسكًا بالحياة ويغدو أشمخ وأعلى، إنها الواحة التي ستروي حبهما بمياه اللذة ليندمجان بجسديهما ويعتصران أنفاس بعضهما يطفئان لهيب قلوبهما تحت ظلال نخيل الحياة الباقي لأبد الآبدين لعله يمد الواحة بأملٍ في الحياة بأملٍ في البقاء بأملٍ في العطاء تمنح مياهها العذبة لكل سائلٍ ناسكٍ للحب والأمان. ينتبه لصوت صفير فرامل الحافلة فقد أصبح صفيرها لأذنه كجرس منبه ينبهه أنه حان وقت العودة للواقع، فلتضع أحلامك في صندوقك الأصفر، وأغلق عليهم بإحكام؛ كي لا يهربوا، فتتمكن من العودة إليهم. يهم في الوقوف استعدادًا للنزول حينما تتوقف الحافلة، تقف فينزل، يضع صندوق البيض الأصفر على حافة الرصيف ، يبدأ في البحث بعينيه سريعًا عن المكان المناسب من الكورنيش؛ ليفرش فرشته، ويعرض بيضاته الملونة على المارة؛ لعل ألوانها تجذبهم، فيشتروها منه، فيبيعها بالواحدة، فيكسب فيها أكثر من أن يبيعها جملةً لتجار البيض في السوق. ها هو المكان المناسب، أمام تلك الشجرة، ضخمة الجذع، عتيقة الأغصان، القابعة في تلك الزاوية من الكورنيش، خلفها ترى في الأفق الباخرات والسفن عابرة بهدوء القناة، تتدافع ببطء خلف بعضها، تطلق كل حينٍ وآخر زفيرًا معلنةً وجودها في تلك الحياة، تصطف فوقها في السماء سحبٌ نقية البياض، بياضها يشع بهجة وسعادة، والشمس تعافر في إثبات وجودها وأنها باقية للأزل، ولكن بلى جدوى، فهي تغيب، وإشعاعها يندثر. يحمل الصندوق الأصفر، ينطلق إلى وجهته، يضع الصندوق بجوار جذع الشجرة، يخرج الملاءة التي كان يغطي بها البيض في الصندوق، يفترشها، ويجلس، يهم في إخراج أرفف البيض، يعرضها أمامه، يأخذ تنهيده ، يهدأ قليلًا ، يسند ظهره على جذع الشجرة. يخرج من جيبه كيس التبغ الأخضر المصفر، كلما أخرجه، ينظر لأصبعيه السبابة والأوسط ليده اليمنى، ويتأمل البقعة الصفراء التي تتوسع ملتهمة العقلة الأولى من الأصبعين، يتأمل كثيرًا، يسرح، متذكرًا أول ليلة له دخن فيها من عشر سنوات؛ ليلة إعلان أن لا مفر له إلا الهروب. يتدارك تذكر ذلك، يخرج ورقة البفرة، يكبش بأطراف أصابعه بعض التبغ، أصبحت أصابعه كالميزان، يخرج الكمية المناسبة بالضبط، يلف السيجارة، يشعلها، يسحب شهيقًا عميقًا منها، يرفع رأسه لأعلى، ينظر لأغصان الشجرة و أشعة شمس المغيب الواهنة تتحرش بها، يغلق عيناه، يخرج دخان السيجارة كمن يزيح همًا مثقلًا،  يتذكر حبيبته، يبتسم، كلما تذكرها؛ تلقائيًا يبتهج جسمه -وكل أعضائه- ، رآها في حلمها الذي قصّته عليه، رآها تركض ماسكة يديه ، تشده خلفها، وكل حينٍ وآخر، تنظر له وتبتسم، ضحكاتها عالية، صداها يسطع في كل أنحاء الصحراء، تركض، وهو يركض خلفها، يشتهيها، وهي تشتهيه. ظلا يركضان كثيرًا، حتى كادا أن يفقدا الأمل في العثور على واحة الحياة، بل فعلًا فقدا الأمل، ضحكاتها توقفت، وقلبه أيضًا توقف، جلسا تَعِبَان وعَطْشَى، لكنها عنيدة أبية ، أبت أن تستسلم، وقفت، جذبته للوقوف، اغمضت عيناه، وأغمضت عيناها، شدته إليها، حضنته بشدة؛ كأنها لا تريد أن تضيعه، قبلته، وقبلته، واستمرت تقبله، وتعتصر شفتاه، اهتزت الأرض من تحتهما، قلبه عاد ينبض، ينبض بسرعة، إنه خائف، يحاول التملص منها، لكنها أصبحت أقوى وأشد، ضمته لها أكثر، اعتصرت شفتاه بشفاهها أكثر، اغمضت عيناها أكثر، إنها تخلق واحة حبهما، نبت النخل بسرعة، انفجرت العين أسرع، افترشت المياه الأرض، خفتت أشعة الشمس قليلًا، ظهرت الطيور والعصافير من العدم، تطير وتزقزق، وهو ينظر لكل ذلك بخلسة، متعجبًا، فتحت عيناها، توقفت عن تقبيله، تلمح بعيناها واحة حبها، ما خلقته بحبها، تبتهج، تعلو ضحكاتها، تعود للركض، تركض نحو المياه، تخلع كل ملابسها، وتقفز في المياه.

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

بائع البيض (1)

(1)

يغلق باب بيته، ينحني ليحمل صندوقًا أصفر اللون مرصوصًا فيه بيضًا ملونًا بألوان الطيف السبعة مكررة بشكلٍ مبهجٍ ، البيضات مرصوصات فوق بعضهن حيث احتمالية انكسار أو انشقاق إحداهن منعدمة . يلمح بعينيه ثنايا قميصه الأبيض المهترئ أعلى بنطاله الچينز الأزرق الباهت ، فيعتدل ولا يحمل الصندوق ، يحاول ضبط قميصه داخل بنطاله، يرفع مشط قدمه قليلًا محاولًا مسح حذائه البني المتسخ أسفل ظهر بنطاله ولكن بلى جدوى ، يعود ينحني ليحمل الصندوق، يهم بالانطلاق متجنبًا المارة ، يُسرع بحذرٍ؛ حتى يلحق بحافلة النقل العام التي ستوصله إلى وجهته، يصل ناصية الشارع، يقف منتظرًا لبرهة، ينحني واضعًا صندوق البيض بجانبه ليريح أكتافه. ترتسم ابتسامةٌ على وجهه متذكرًا ليلة أمس، عندما راهنته حبيبته على أن الحمامتين القابعتين أمام نافذة منزلهما - حتمًا - سيقبلان بعضهما، وكم كان أبلهًا عندما سخر من حبيبته ليلتها، وراهنته على أن يلون البيض بألوان الطيف إذا الحمامتان قبلتا بعضهما ، وكم كان أحمقًا عندما قبل الرهان، فعيناه محمرتان منتفختان يكسوهما السواد من السهر طيلة الليل في تلوين البيض. يوقظه من حلمه صوت صفير فرامل الحافلة مع توقفها أمامه، وانفتح الباب، وتدافع الخارجين من الحافلة ، وكاد أحدهم أن يركل الصندوق الأصفر بقدمه؛ لولا أنه تدارك الموقف بردة فعل سريعة والتقط الصندوق رافعًا أياه إلى أعلى. ينتظر نزول هؤلاء - المصاعير على النزول -، يتسلق سلم الحافلة بكل هدوء، يجلس في المقعد خلف سائق الحافلة مباشرة ، فهو دائمًا ما يعتقد أن ذلك المقعد هو أفسح مكان في الحافلة حيث يستطيع أن يضع الصندوق الأصفر أسفل قدميه بأريحية. تتحرك الحافلة، يبدأ بالتلفت حوله ماسحًا بعينيه ركاب الحافلة لعله يرى أحد المعارف أو الأصدقاء، وكالعادة لا يجد أحدًا، يخرج تنهيدة صغيرة من فمه فهو دائمًا عندما يشعر بالامتعاض يخرج تلك التنهيدة وكأنه يخرج ذلك الامتعاض مع الزفير. يلتفت إلى نافذة الحافلة ، يسرح مع السيارات والحركة المتسارعة للمارة والبنايات ، يتذكر حبيبته؛ وكيف لا يتذكرها، فهي بهجة قلبه، ترتسم صورتها أمامه بشعرها البني المقصوص كشعر الصبيان، يطلقون عليه "أ لا جارسون" يعني صبي بالفرنسية ، تبهجه معاكساتها الصبيانية وينتشي قلبه عندما تقترب منه تجر شكاله ومع مخاطبة أنفاسه المتسارعة أنفاسها الحارة تهدأ لتحتضن الشفاه الشفاه ويصافح اللسان اللسان، يعشق ملامسة أنامله خصلات شعرها القصير، ينسدل من الجانبين خصلة بنية رقيقة يعشقها ويعشق دغدغدها لوجنتيه. عيناها عسليتا اللون حائرتان واسعتان برموش كثيفة داكنة السواد، لا تراها عين إلا ويصيبها سحرهما وتهيم في جمالهما، أنفها ويا جمال أنفها لشموخه سحر يعلو به قلبه ويهبط ، شفتاها عندما يراها يجوع وإن كان شبعان يهم بالتهامهما بين أسنانه ولا يمنعه إلا سحر رقبتها فيعلو زفيره لتصطدم حرارة أنفاسه برقبتها فتعود إليه مسكًا يفوح بجمالها، نهدَيْها كثمرتا مانجو سكري تنتظران -في لهفة- أوان قطافهما. وما أحلى عصير المانجو! 

السبت، 8 مارس 2014

فرج المرأة هو أصل العالم



جوستاف كوربيه Gustave Courbet -رسام فرنسي واقعي من القرن التاسع عشر- لما فكر أنه يعبر عن "أصل العالم"L'Origine du monde، مالقاش حاجة أكثر واقعية للتعبير عن أصل العالم غير "فرج المرأة" ، واحنا في القرن الواحد والعشرين وشايفينه العار الأزلي اللي لبسينه للأبد ، ومابنصدق نخلص منه ونلبسه لغيرنا ، لدرجة أنه الشتيمة الرائجة ما بينا .

فرج المرأة مش مسبة ، فرج المرأة هو أصل حياتنا .

كل سنة وأنتن أصل كل حاجة حلوة فينا




الخميس، 5 ديسمبر 2013

ادموند بيرك ومواقع التواصل الاجتماعي

في إحدى ليالي البرد القارسة ، استلقى ادموند بيرك (Edmund Burke ) - المحافظ الأول في التاريخ الحديث- على أريكته ذات النمط الإنجليزي ، ورفع ساقيه أعلى المتكأ ، ليريح التابلت على فخذتيه، ارتشف رشفة من المج -الفخاري- المليء بالقهوة السوداء ماركة نيسكافيه ، وبدأ في التغريد على موقع التواصل الاجتماعي المشهور آنذاك ، ومن المعلوم أن في القرن التاسع عشر كنت تستطيع ان تغرد بأكثر من 140 حرف ، ولا حرج ، فكتب بيرك بكل ارتياحيه ما يلي :

" يستوحشون طريق الحق ، وكل غرضهم هو التهرب من الصعوبات والإفلات منها . في حين أن التصدي لتلك الصعوبات وقهرها ، أداة لانتصارات جديدة على صعوبات جديدة ، يمكننا من توسيع إمكانياتنا ، ويرغمنا على أن نعرف هدفنا معرفة وثيقة ، ويجبرنا على أن نتمعن فيه من جميع زواياه ، ويحول بيننا وبين أن نكون سطحيين ، إن الافتقار إلى إدراك ذلك ، والسعي لركوب المركب السهل واستخدام الحيلة لتحقيق نتائج سريعة هو الذي يخلق حكومات ذات سلطات تعسفية في بقاع متعددة للغاية من العالم "

وبالطبع لن تستغرب سيدي ، إذا اخبرتك ، أن السيد بيرك كان يعيش في واقع موازي ، عزلة تامة عن مجريات مجتمعه ، كان يحكم ذاته والشباب الذين اتخذوه أبًا روحيًا .

ع الهامش || محدش يقول للبرادعي انت بيرك عصرك وزمانك ، عشان هيزعل فشخ ، لأن بيرك بيعرف يكتب تويتايه أكتر من 140 حرف .

الأحد، 10 نوفمبر 2013

إحنا اللي غاويين أكل التفاح

احنا اللي عايزين ناكل تفاح، احنا اللي غاويين مرمطة ، ونزعتنا كبشر وفضولنا لمعرفة كل حاجة وعدم رضانا بحالنا واللي احنا عليه ، هو اللي مكدرنا ، دايمًا بندور على اللي يكدرنا ، ما بنرضاش بقليلنا ولا حتى بكتيرنا.
 
لما حرم الله على آدم وحوا أنهم ياكلوا من الشجرة ، الشيطان لعب في دماغ حوا وقالها : عارفه يا بت يا حوا ربنا مش عاوزكم تاكلوا من الشجرة ليه ؟! عشان ما تبقوش زيه عارفين الخير والشر مدركين للصح والغلط .
(فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».)

آدم وحواء كانوا عاوزين يتزلوا الأرض ، نزعتهم البشرية ! عاوزين يعرفوا عاوزين يجربوا عاوزين يتعلموا ، الاحتياج للمعرفة والتجريب ، نشوة المغامرة ولذة العيش بحرية وزتهم لأكل التفاح . ولما أكلوا من الشجرة كان عقابهم من ربنا على عصيانهم -وأكلهم من الشجرة- إنه طردهم من جنته ، طردهم من إنهم يبقوا عايشين مش شايليين الهم ، طردهم من إن ما يبقاش فيه حاجة بتكدرهم ، وينزلوا الأرض يعيشوا بقى الخير والشر والتكدير ويشيلوا الهم ، ويحسوا بيه .

(وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».)

عاقبة عصياننا كانت اكتساب المعرفة الأخلاقية ، معرفة الخير والشر كالله ، لأ وكمان إمكانية الحياة الأبدية ، يعني هنقعد متكدرين بنلف حولين نفسنا في دواير مغلقة إلى الما لا نهاية .

وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ»

الغريب في الموضوع إن نفس الحاجة اللي أثارت فضول آدم وحوا عشان ياكلوا من الشجرة هي نفس الحاجة اللي اتعاقبوا بيها ، يعني هم عملوا اللي هم عاوزينه ، وللا غلطوا وربنا عاقبهم !؟

المرجع : سفر التكوين - إصحاح 3

السبت، 9 نوفمبر 2013

سيزيف والدوائر المجتمعية


ما جدوى الحياة ؟ أو ما جدوى الوجود ؟ سؤال فلسفي لا يخلو من سفسطة ، فنجد في الفلسفة الإنسانية أن جدوى الوجود هو الإنسانية ، يقول (شيلر) : "الإنسان مقياس الأشياء جميعًا"، فالحياة - هي - لكي يعيشها الإنسان، يستمتع بإمكانيات الحياة قدر ما يتسطيع ، التركيز - كل التركيز - على اهتمامات الإنسان؛ ليس هناك أي سبيل للتضحية بأي مقدار من الإنسانية في سبيل ثواب الآخرة. أما من نظر الفلسفة الوجودية، فالحياة البشرية بلا غاية أو معنى؛ فكل الكائنات البشرية لا ضرورة لها ولا حكمة من وجودها . وأن الفرد وحده هو مقياس الأشياء جميعًا - لا الإنسانية -، فالحياة عملية متصلة من اتخاذ القرارات الفردية ، فكل قرار - في النهاية - هو أمر فردي شخصي . فالوجودي ينكر التدبير الشامل الألهي ، ويعتقد بالتخطيط الذاتي الفردي ، فكل فرد له أهدافه وغاياته الذاتية في الحياة ، وهو وحده له مطلق الحرية في رسم دربه الذي سيسلكه في الحياة . أما من نظر الدين فنجد أن جدوى الحياة هي إعمار الأرض تطبيقًا لمُثل عليا ومبادئ اجتماعية عظمى ، أنزلها لنا الله لكي نعمر بها الأرض ، فنجني الحسنات ، لنال خير جزاء في الآخرة .

وهذا يقودنا إلى التكوينات البشرية والتشكيلات الإنسانية ، يقودنا إلى المجتمع . فهل نحن من نُشكل مجتمعنا أم المجتمع هو الذي يُكون شخصياتنا ؟ المجتمع -تعريفه المُبسط- هو شبكة العلاقات الاجتماعية بين مجموعة من البشر من أجل تحقيق مصالحهم الفردية ومصالح المجموعة ككل ، ومع تتطور المجتمع وتتطور احتياجات أفراده تتعقد شبكة العلاقات الاجتماعية ، فتَخلق دوائر مجتمعية يتم توزيع أفراد المجتمع فيها ، كل دائرة تُلبي احتياج معين من احتياجات المجموعة ، مما يُلبي الخدمة المجتمعية العامة للجميع. فنصل بذلك إلى ذروة تعقيد المجتمع التي تُحوِّل التكوين البشري للمجموعة من كونها مُنشِئ للمجتمع ، إلى كونها نِتَاج عمليات فرز المجتمع للأفراد في دوائره المجتمعية . وبهذا يدور كل فرد من أفراد القطيع المجتمعي في دائرة مغلقة يحرث ، فيخدم القطيع ، فيعمر الأرض .

إذاً هناك دوائر مجتمعية ، دوائر حرث - لتعمير الأرض- يُفرَز فيها أفراد المجتمع ، ولكن ماذا إذا تصادم ذلك مع متطلبات الفرد - ذاته - مع احتياجاته ورغباته ، فالمجتمع يفرض على الفرد دائرة تخدم متطلباته -هو المجتمع-، ويجبره على شكل معين، شخصية تناسبه ، ولا يفترض أنها تناسب الفرد - ذاته -، فقط يجب أن تناسب وتتواءم واحتياجات المجتمع ، ذلك المجتمع الذي شَكَّلَته في الأصل احتياجات أفراده ، يصل لذروته فيفرض عليهم احتياجاته ، يقولون أنه بإمكان الفرد أن يُرغم مجتمعه باحتياجاته ، ولكنه إذا نجح في ذلك ، ألن يُجبر ذلك الاختيار فرد أخر - في القطيع - بالدائرة التى رفضها ؟! فالمجتمع لن يجد أي صعوبة في أن يجد بديلاً عنك ليحرث تلك الدائرة التى رفضتها ، ألن تجد أنت - أيها الفرد الثائر على اختيار المجتمع - من ينافسك على اختيارك الجديد ، ما رأيك في الفرد الذي رشحه المجتمع لتلك الدائرة التي ترغب فيها.

سيأتي عليك اليوم الذي تجد فيه نفسك تقف حائرًا بين أن تخضع لاختيار المجتمع ، أو أن تجازف وتنافس على اختيارك المفضل ، الذي يهيأ لك أن به السعادة المنشودة، ولكن يجب أن تعلم جيدًا أن هذا اليوم سيكون فرصتك الأخيرة لتكون حر الاختيار ، ومن بعده ستسلبك الدائرة التى اخترتها كامل حريتك ، كامل سعادتك ، كامل مشاعرك ، سواء كنت مجبرًا عليها أم بكامل رضاك ، لأنك تحرث الأرض لتعمرها ، بلا توقف ، تدور وتدور في دائرة مغلقة تجر من خلفك المحراث ، لا تكترث لشيء غير أن تدور ، فقط تبحث عن أي سعادة في دورانك ، تظل تدور في دائرة غير منتهية إلا بموتك ، ليجد المجتمع بديلًا عنك يدور في تلك الدائرة لتكمل دورانها إلى ما لانهاية ، لو سألت الأرض نفسها ستجيبك : نعم يابني، كلنا ندور في دوائر إلى النهاية، لو تجرأت واقتربت من الشمس لتهمس في أذنها بتساؤلاتك؛ لأجابتك - بصوتها الجهوري - : نعم، نحن كـ" الثور في الساقية ". يقولون أن بيد الفرد أن يكمل دورانه أو أن يتوقف، أتدري ماهي عوامل ذلك، إما الأمل أو الانتحار؛ فـ(ألبير كامو) يقول أن بالأمل يظل الفرد يكمل دورانه ، وبالانتحار يقف الحرث بشكل فجائي وينتهي كل شيء ، بالانتحار تباغت المجتمع ، بتوقف إحدى دوائره، فيفقد جزء من اتساقه الاجتماعي إلى أن يجد البديل ، فيستكمل الدائرة وتعود الحياة من جديد.

دعني أحدثك بشكل أبسط من تلك البساطة ، لنفترض أن هناك شجرة برتقال ، فإنها تنتظر أن تمطر أو أن يعطف عليها أحدهم فيغدق عليها بقوت يومها، لكي ترزق بثمار برتقالية اللون زاهية تجذب أعين الناظرين، فيتحرشوا بها، ليلقفوا إحدى تلك الثمرات، وفي أوقات الجدب والفقر؛ عندما لا يوجد أحدهم ليعطف عليها بقوت يومها، تجدها تلد ثمارًا باهتة اللون، لا تجذب الأنظار، لن تجد من يتحرش بها ، فتقوم بالتبرأ من ثمارها - فلذة أكبادها - وتطرحهم أرضاً ، فتجد أن هناك - أيضاً - من يتصارع على التقاطهم، آخرين غير هؤلاء الذين تطلعوا لأعالي الشجرة في زهوها، هؤلاء الذين ليس بمقدورهم النظر لأعلى ، انتظروا إجهاضها لكي ينالوا من ثمارها.

إنها تعقدت أكثر، أعرف ، ولكن كيف تبسط، وهي في الأصل معقده. دعك من هذا كله فهذه سفسطة لا تسمن ولا تغني من جوع ، إنه الواقع الذي يرغمنا - أجمعين - على السير إلى الأمام دون توقف لبرهة ، دون التوقف لتنفث سيجارتك الأخيرة ، وإذا فكرت في الوقوف لتفكر في مصيرك؛ لماذا تسيير إلى الأمام في هذا الطريق ؟ لن تجد أمامك إلا إثنين لا ثالث لهما ، إما أن تجد الأمل في استكمال مسيرتك تلك ، أو أن تنهي اللعبة وتظهر لك الـ"game over" إلى الأبد ، وتذكر فلعبة الواقع ليس بها ثلاث فرص كما هو في بقية لعب الفيديو، هي فرصة واحدة، وهو طريق واحد إما تكمل فيه، أو تخسر للأبد .


"واضعًا يدي في جيبي المثقوبين
سائرًا في الشارع
رأيتهم يتطلعون خلسة إلي
من وراء زجاج واجهات المخازن والمقاهي
ثم يخرجون مسرعين ويتعقبونني
تعمدت أن أقف لأشعل سيجارة
والتفت إلى الوراء كمن يتجنب الريح بظهره
ملقيًا نظرة خاطفة إلى الموكب الصامت:
لصوص و ملوك و قتلة , أنبياء وشعراء
كانوا يقفزون من كل مكان
ويسيرون ورائي
منتظرين إشارة مني.
هززت رأسي مستغربًا
ومضيت وأنا أصفر بفمي لحن أغنية شائعة
متظاهرًا بأنني أمثل دورًا في فيلم
وبأن كل ما ينبغي علي أن أفعله هو أن أسير دائمًا إلى الأمام
حتى النهاية المريرة "
 _فاضل العزاوي

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

الحملة الانتخابية للمشير عبدالفتاح السيسي

برنامج صباح الخير يا ميسر :



- وكما عودناكم مشاهدينا الأعزاء .. فقضية الموسم وكل موسم اليوم هي السؤال الذي حير الجماهير ، " لو الفريق السيسي اترشح للانتخابات تفتكروا أي رمز هيكون مناسب ليه ؟ " ، هذا السؤال الفلسفي الوجودي الذي ينبع من عدمية خيال طارحه ، حير الجميع ، وأقلق منامهم ، ولأننا الوحيدين في برنامجنا هذا ، نجد الحل لمن لا حل له ، وعلى رأي المثل يا جماعة "اللي مالهوش حل ، يشتريله حل" ، وحل سؤالنا لهذا اليوم ، حل محتاج مخمخة ، تخطيط ، تكتيك ، خيال .. أيوة عليك نور .. محتاج خبير استراتيجي ، يمخمخلنا بخيال علمي مبني على أبحاث وأحلام علمية تحت غطاء لحاف ذو الأربع وجهات ..
يسعدنا ويشرفنا أن نستضيف السيد الفريق كاتو بيه الخبير الاستراتيجي .

- أهلا وسهلا بيك .. بس في الأول حابب أصلح معلومة .. أولا انا لواء متقاعد مش فريق .. وبشتغل خبير استراتيجي الصبح .. ومفسر أحلام آخر النهار عشان لو حد من السادة المشاهدين قالقه منامه وللا حاجة .

- أه .. انا اسف لحضرتك جدا ، وهطلع أطلع أموات المعد ، بس بعد الحلقة .

- لا ماتتعبش نفسك .. زمانه .. بيتروق في المعسكر اللي ورا الشمس شمال.

- اشمعنا المعسكر شمال .. هو مفيش يمين .

- المعسكر يمين .. للعيال السو اليمين ، والمعسكر شمال .. للعيال السو اليسار

- طب والمعكسر طوالي !؟

- ابقى تعالى وأنا أقولك .. هع هع هع

- هههههههه حلوة منك حضرتك .. وزير الإعلام استايل وكده .. المهم نخش في المهم .. حضرتك .. انجدنا .. أيه الحل .. الناس مش لاقيه رمز ..

- بص حضرتك ، من واقع خبرتي الاستراتوحلمية .. حلوة استراتوحلمية مش كده

- حلوة يا فندم

- من واقع حبرتي الاستراتوحلمية .. أقدر أقولك .. إن أهم حاجة في التسويق الناجح : الرمز ، والشعار ..

- ودي عرفتها لوحدك وللا حد قالهالك

- بدأت تتعبني .. وشكلك .. عاوز تعرف .. معسكر طوالي .. بيتعمل فيه أيه

- لا متشكر يا فندم .. معلش كمل ..

- زمبؤلك كده التسويق الناجح :: رمز وشعار .. احنا عندنا سلعة .. السلعة ديه هي سيدي وسيدك وسيد الناس كلها : الفريق السيسي .. والفريق السيسي هو سلعة حربية .. والسلعة الحربية .. يعني انتاج حربي .. وانتاج حربي .. يعني الرمز يكون حاجة فخر الصناعة الحربية المصرية .

- الله يا فندم .. تسلم أيد اللي لفلك .

- عشان كده أنا بقترح وبناشد الحملة الرئاسية لسيد الناس .. إن الرمز يبقى "كيس مكرونة الملكة ذات الحبات المتناسقة" ، فخر الصناعة الحربية المصرية ، والشعار يبقى : خش علم ع المكرونة .. واكسب معانا كيس صلصة هدية

- بس يا فندم مش شايف إنك مأفور حبتين ..

- مأفور ! بتقولي أنا اللواء متقاعد كاتو بيه مفسر أحلام آخر النهار .. مأفور .. مستنيك برة بعد الحلقة .

- يا فندم مقصدش .. بس كيس مكرونة .. ديه حاجة لوكال فشخ ..

- مممم هو انت عندك حق .. وانا فكرت في كده برده .. يبقى مقدمناش غير بلان بااااء .. الرمز : صوابع رابعة باللون الفيسفوري .. والشعار : يا كايدهم ..

- الله يا فندم .. فكرة جهنمية .. وبكده نضرب حجرين بعصفور .. أقصد حجر بعصفورين .. منه ننقط كل اللي بيعادونا .. ومنه تسويق ناجح للحملة الانتخابية .

- أولا يابن العالمة .. اسمها نضرب عصفورين بحجر .. ثانيًا .. ننقط أيه .. وشغل العنصرية والتفركة اللي انتم بتنتهجوه في القناة ده ..
المؤسسة العسكرية لا تسمح بالعنصرية .. احنا بنلم في المعسكرات اللي ورا الشمس على طول .. مش ليسه هننقط ونفقع ..

- تمام يا فندم .. وصلت .. وعلى رأي سيد الناس .. " مصر أم الدنيا .. وان طلعت البنت لامها .. اقلب مصر على فمها "

نطلع فاصل مع النشيد الوطني .. تسلم الأيادي تسلم يا سيس بلادي .....

ع الهامش : باب البيت بيترزع .. انا : مين !! .. من ورا الباب : أنا كاتو يالااه ... أنا : كاتو !! .. أه كاتو اللي بتتريق عليه وعلى سيدي وسيدك وسيد الناس كلها ... الباب اتكسر دخل كاتو ومعاه شوية عساكر .. هاتووووه ... أنا : على فين .. كاتو : على معسكر ورا الشمس طوالي ياروح ماما.

الجمعة، 20 سبتمبر 2013

الخميس، 15 أغسطس 2013

ما بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي فشخة


هل يا ترى عندما نغير صور بروفايلاتنا أو نكتبلنا كام بوستس على كام بيان "رسمي" في عالمنا الافتراضي ذلك ، هل هذا أثر بشيء في العالم الواقعي .


كل الذي نفعله أننا لجأنا لأسهل سبيل وهو أن نعيش في الوهم الافتراضي للدرجة التي أوصلتنا إلى أن تعايشنا وتأقلمنا معه وتحول تعايشنا ذلك إلى تصديقنا أن هذا هو العالم الحقيقي -إذا لم يكن جزء لا يتجزأ من العالم الحقيقي-. 

كمية المؤثرات العصبية التي نواجها ، والعجز العصبي عن إيجاد رد عليها بفعل واقعي ، أجبرنا على البحث عن بديل ، وهو تفجير الكبت العصبي في عالم من الأوهام والأحلام ، أجبرنا به عقلنا وأعصابنا وهرموناتنا على أن تصدق أنه هو ذلك الواقع الفشيخ الذي "فاشخنا" بمؤثراته أو على الأقل هو جزء منه ، فنصدر سيالاتنا العصبية الصادرة تجاهه ، وبذلك نعتقد واهمين بأننا أرحناها من تلك الفشخات العصبية .

إلى أن نخرج من ذلك العالم الافتراضي وننزل إلى العالم الواقعي الحقيقي فيفشخنا مرة أخرى ، فلا نجد مفر إلا إلى عالمنا الافتراضي الذي خلقناه من أجل سلامة أجسادنا .


والحقيقة نحن واهمين إذا كنا صدقنا أننا بذلك نكون قد سلمنا بأجسادنا ، بل نحن نفشخها فشخًا فشيخًا فاشخًا. دعونا نبحث عن أصعب رد فعل "واقعي" ، وننفذه ، حتى إذا تطلب منا ذلك أن ننعزل عن العالم الواقعي ، ونستخبى من مؤثراته العصبية -كثيرًا من الوقت- ، فننزل له ونحن نمتلك من الأدوات ما ترد على الفشخة بفشخة مساوية لها في القوة معاكسة لها في الاتجاه.




الجمعة، 5 يوليو 2013

الثورة العاهرة

زمان محمد ومحمد اتفقوا على حملة تغيير ، وثاروا وخلعوا أكبر راس في حكم العسكر ، آم أيه الرؤوس الصغننه ركبتهم ومسكت الحكم على أنها فترة انتقالية ، الرؤوس الصغننة ديه طلعت مش سهلة ، وعرفت توقع بين محمد ومحمد بدري ، في وقت زهوهم الزائف بانتصار ثورتهم ، فقام محمد عـ**ـلهم ، ومحمد التاني ثار عليهم فـ**كوه ، ومحمد الأولاني قاله إيه اللي نزلك .

محمد الأولاني ركب الحكم وافتكر أنه بتعـ*يـ*ـه دا قال أيه عمل للعسكر واحد ، العسكر حطوا عليه من تحت لتحت ، أشي دولة عميقة ، على كنبة فشيخة ، على استغلال لخبته القوية اللي ماوردتش على حد ولا على سبت ، وأشي استغلال لزهوه الزائف وعنطزته وغطرسته - على أساس إن الواد جاب الديب من ديله ، وركب العسكر ، ومعرفوش يعمله معاه اللي عملوه مع جده- بقى محمد التاني بالنسباله حتت صعلوك فل من الفلول ، اللي برده ولا ليه لازمة وكان سلمه من سلالم وصوله للحكم .

العسكر لعبه محمد الأولاني دور شطرنج حلو ، لغاية ما زنقوله "الملك" ، وكش ياملك ، آم أيه بقى محمد التاني فرح قام قال أيوة بقى يا اسطى ، أما أعـ** أنا كمان ، اشمعنا هو ، وزي ما نـ**ني أ*ـيـ*ـه ، فعـ** هو اللاخر للعسكر .

ولاد الهرمة العسكر فاهمين التاني ديته أيه ، وسمعوه اللي بيمزجه ، وعملوله اللي هو عاوزه .
ثار محمد التاني على محمد الأولاني ، وانقلب العسكر على محمد الأولاني .فرح محمد التاني وقال بيانه ، ودخل حالة الزهو بنت المرة إياها .

بس محمد الأولاني ما سكتش وقال عليه وعلى أعدائي فيها لخفيها ، قام محمد التاني قاله ياللا يابن المرة من هنا ، والعسكر عمال يضحك ويضحك ويضحك ويضحك ويضحك .

لو عرفت العسكر بيضحك ليه تكسب معانا علم "مسر" .. وفيسفوري كمان !

لو عرفت محمد الأولاني اسمه محمد أيه .. تكسب معانا "سيف الحب"

لو عرفت محمد التاني اسمه محمد أيه .. تكسب معانا "بوسة أنجلينا"

مذكرات مخبأة في درج الكوميدينو- أشرف دولسي (1)

(1) أشرف دولسي في حقيقة الأمر لم أعد أكترث، مشيت خطوتين بالعدد قاصدًا المقهى، لكنني تراجعت، وقررت العودة، والصعود إلى منزلي، مشيت خط...